كتب/ فؤاد داؤد
لا يمكن لشعب عظيم مثل الشعب اليمني أن يظل قابعاً في قاع المعاناة ، يتجرع الذل جرعة بعد جرعة ، بينما يرى مقومات الحياة الكريمة تسرق من أمامه جهاراً نهاراً .. و الحقيقة التي لم يعد بالإمكان تجميلها أو دفنها تحت شعارات " الصبر " و " الظروف " : إن ما نعيشه اليوم ليس قدراً ، و لا أزمة عابرة ، إنه نتيجة مباشرة لمنظومة فساد متوحشة مدت أذرعها الأخطبوطية إلى كل مفصل من مفاصل الدولة .
إننا حقٱ قد وصلنا إلى الدرك الأسفل .. مواطن لا يجد رغيف الخبز ، و لا الدواء ، و لا الكهرباء ، و لا راتباً منتظمٱ يصون ماء وجهه ، و طفل يتسرب من المدرسة إلى سوق العمل ، و أسرة تبيع أثاث بيتها لتشتري كيس دقيق .. إن هذه ليست حياة .. هذه إهانة ممنهجة لكرامة إنسان كان بالأمس يضرب به المثل في العزة و الإباء .. و في المقابل ، هناك طبقة متربعة على عرش السلطة .. قيادات عقيمة ، فاشلة ، لكنها بارعة في شيء واحد : نهب المال العام و توريث البذخ لأبنائها ، حيث ترفل أسرهم في النعيم الفاحش ، في قصور و فنادق و عواصم الغربة ، بينما يرتهن الشعب للجوع و الإذلال و إهدار الكرامة على أرضه .
إن الفساد.. هو المشكلة و أم المشكلات ، فلا تحدثوني عن أزمات و حروب و سياسات خارجية ، إن كل ذلك كان يمكن تجاوزه لو كانت هناك إرادة نظيفة ، لكن الفساد المستشري هو السرطان الذي أكل الأخضر و اليابس ، هو الذي جعل الدولة عاجزة ، و الخدمات منعدمة ، و المؤسسات هياكل فارغة .
و طالما بقيت هذه القيادات الفاسدة جاثمة على صدورنا ، فلا أمل .. طالما ظل الفاشل مكافأً ، و النزيه مهمشاً ، و اللص محمياً ، فسيظل الوضع على ما هو عليه ، بل إلى الأسوأ .
و الحل الحقيقي الذي لا ريب فيه هو : صحوة و اقتلاع ، حيث أن الخلاص لا يأتي بالتمني ، بل أن الخلاص يبدأ بلحظة صحوة .. أن يفيق الشعب من سباته .. أن يدرك أن من بيده القرار اليوم هو من أوصله إلى هذا الحال ، و نحن بحاجة إلى تغيير جذري .. اجتثاث من الجذور .. نحتاج قيادات جديدة ، لا تأتي من رحم المحاصصة و الولاءات .. نحتاج كفاءات شريفة ، أيديها نظيفة ، و قلوبها على هذا الوطن .. قيادات تعتبر المنصب تكليفاً لا تشريفاً ، و خدمة لا غنيمة ، و ما عدا ذلك هو دوران في حلقة مفرغة .. مسكنات لا تعالج المرض ، و تخدير يطيل من عمر المأساة .
فيا أبناء شعبنا العظيم .. إن الوطن لا يُبنى بأيدي من خربوه ، و الكرامة لا تُستعاد بمن باعوها ، فإما أن نشعلها ثورة وعي حقيقية لاقتلاع الفساد و استبدال الفاشلين، أو سنورث لأبنائنا وطناً مكسوراً و عاراً لا يُغسل .. إن الخيار لكم .. فالتاريخ لا يرحم ، و الشعوب إما أن تنهض ، أو تُداس .