بقلم / حافظ الشجيفي
تأبى حقائق السياسة ومنطق التاريخ إلا أن تضع النقاط على الحروف في زمن عز فيه الصدق، واستشرى فيه الزيف، وبلغت فيه الأنانية مبلغا يهدد صروحا شيدتها دماء وتضحيات، فالمتأمل في مشهد القيادات التي كانت بالأمس القريب جزءا لا يتجزأ من كيان وطني عريض، تمثل في المجلس الانتقالي الجنوبي، يدرك أننا لسنا بصدد أزمة تنظيمية فحسب، بل نحن أمام معضلة أخلاقية وفلسفية تنم عن تهافت في الرؤية وقصور في الوعي الوطني الرصين.
فهؤلاء الذين استوعبهم المجلس الانتقالي في عام ألفين وثلاثة وعشرين، وفتح لهم أبوابه وسقوفه القيادية العليا انطلاقا من مبدأ الجنوب لكل وبكل أبنائه، قد نكثوا العهد قبل أن يجف مداد الاتفاق، فما إن وطأت أقدامهم أرض الرياض ضمن وفد ارسله المجلس الانتقالي لتمثيل قضية الشعب الجنوبي، حتى أغرتهم الوعود بالمناصب والتلويح بالمكاسب الشخصية، فسارعوا إلى إعلان حل المجلس الذي حملهم على أكتافه، في مشهد سريالي يبعث على الرثاء والازدراء معا، إذ كيف يتأتى لضيف هدم البيت الذي استضافه، وكيف يتجرأ من عين بقرار إداري ولم يفوضه الشعب على حل كيان تأسس بتفويض جماهيري عارم وشامل.
لو وجهت السؤال لأحدهم عن المسوغ المنطقي لإعلان حل المجلس الانتقالي، وهو الكيان الذي أنقذهم من شتات الضياع وتيه الانشقاقات، ومنحهم هيبة سياسية لم يكونوا ليحلموا بها، لوجدت صمتا مطبقا يعكس فراغ الحجة، فهم يدركون في قرارة أنفسهم أنهم لا يملكون حق الوصاية على إرادة شعبية صاغت شرعية المجلس، ولم تكن يوما رهينة لرغبات شرذمة التحقت بالركب بعد أن بلغ ذروة قوته وانتصاراته، فالمجلس الانتقالي لم يزدد بهم قوة، بل هم من استمدوا منه الوجود والحضور بعد سنوات من الخمول والغياب في زوايا النسيان.
فمحاولة إحياء مكونات ميتة وهياكل متعفنة بعد أن ذابت طوعا في كيان واحد وقوي، يعد مخالفة صريحة لكل القواعد التنظيمية والمنطق السياسي السليم، فكيف يجيز هؤلاء لأنفسهم ما يستنكرونه على غيرهم، وكيف يقتلون مجلسا حيا نابضا بالشرعية والقوة العسكرية والسياسية، لينفخوا في جثث مكونات هزيلة ولدت ميتة ولم يسبق لها أن حققت أثرا يذكر في مسيرة النضال، في خديعة كبرى ومحاولة بائسة للارتداد عن الوحدة الوطنية الجنوبية، وطعنة في خاصرة المشروع الوطني الذي تآمروا عليه بمجرد أن لوحت لهم بروق المطامع والمصالح الضيقة.
وحين يزعم هؤلاء أن هدفهم من إعادة إحياء تلك الكيانات الهشة هو تحقيق الاستقلال، يتجلى التناقض الصارخ الذي لا يستقيم مع عقل أو منطق، فإذا كان الاستقلال هو الهدف المعلن للمجلس الانتقالي الذي انسلخوا عنه، فما الداعي للشتات والهدف واحد، وكيف يزعمون القدرة على نيل الاستقلال وهم متفرقون ضعفاء، بعد أن عجزوا أو تقاعسوا عن تحقيقه وهم تحت راية واحدة صلبة ومتماسكة سياسيا وشعبيا وعسكريا، فالتفرق في سبيل هدف يقتضي الاتحاد هو قمة التضليل، والبحث عن الذات خلف ستار القضية هو خيانة للأمانة التي حملهم إياها الشعب، فالمتفرق لا يحصد إلا الريح، ومن يغدر بالبيت الذي آواه لا يؤتمن على وطن، ومن يقدم مصلحة المنصب على مصلحة المجموع فقد حكم على نفسه بالسقوط من ذاكرة التاريخ ومن وجدان الجماهير التي لا تنسى ولا تغفر