د. نعمة صالح عوض
أن كان مما ليس منه بُد بأن ندخل حوار جنوبي-جنوبي جديد يحدد مصير الدولة القادمة التي ينشدها الشعب دولة موحدة ، دولة النظام والقانون والمواطنة المتساوية تتمتع بتوزيع الفرص والثرواتمن الأهمية بمكان معرفة مع من يتم الحوار بالضبط؟ وما هي الأجندة التي تطرح على طاولة الحوار ؟ وما الضمانات التي تكفل دعم دولة جنوبية من المهرة الى باب المندب دون المساس بسيادتها من أي كان ؟
أولًا: مع من يتم الحوار الجنوبي–الجنوبي؟الحوار لا يكون جامعا ولا مجديا ما لم يُحدَّد أطرافه بدقة، وأهم معايير الشراكة فيه:
– القوى السياسية الجنوبية الفاعلة على الأرضلا الشرعية الرمزية وحدها، ولا الأسماء التاريخية فقط، بل من يمتلك حضورًا سياسيا واجتماعيا وقاعدة جماهيرية حقيقية.– المكونات المجتمعية غير المؤدلجةشيوخ قبائل، شخصيات اجتماعية، أكاديميون، منظمات مجتمع مدني، ونخب شبابية ونسوية، لضمان أن لا يُختزل الجنوب في إطار حزبي أو عسكري.– استبعاد الأدوات والواجهاتأي طرف يثبت ارتهانه لأجندات خارجية أو عمله كأداة لإعادة إنتاج الوصاية أو الوصْل القسري يجب أن يكون خارج طاولة الحوار.ثانياً: ما الأجندة التي توضع على طاولة الحوار؟الحوار ليس غاية بحد ذاته، بل وسيلة للوصول إلى دولة. وعليه، يجب أن تكون الأجندة محددة بزمن وبنود واضحة، أهمها:
* شكل الدولة الجنوبية القادمة
٠ دولة موحدة جنوبية واحدة٠ مدنية، تقوم على النظام والقانونالمواطنة المتساوية دون تمييز مناطقي أو قبلي أو سياسي.
* نظام الحكم وتوزيع السلطة
دولة فيدرالية .فصل السلطات واستقلال القضاءتداول سلمي للسلطةتوزيع الثروة والفرصإدارة عادلة للموارد (النفط، الموانئ، الثروة السمكية)آليات شفافة تضمن أن الثروة الوطنية ملك لكل أبناء الجنوب.
* القضية الأمنية والعسكرية
مؤسسة عسكرية وأمنية وطنية موحدةتحييد السلاح عن السياسةحماية القرار السيادي لا فرضه بالقوة.
ثالثاً:ما الضمانات لقيام دولة جنوبية ذات سيادة من المهرة إلى باب المندب؟وهنا بيت القصيد، فالضمانات لا تكون بالشعارات:ضمانات داخلية واقليمية ودولية
٠ ميثاق وطني جنوبي مُلزم٠ آلية رقابة ومحاسبة على مخرجات الحوارجدول زمني واضح للتنفيذ لا يُترك للتأويلضمانات سياسية:
٠ تفويض وتوافق شعبي وطني مدرك واسع٠ وحدة الصف الجنوبي في الخطاب والقرار.
ضمانات سيادية:
٠ رفض أي وصاية أو قواعد أو نفوذ يمس السيادة٠ علاقات خارجية متوازنة قائمة على المصالح لا التبعية.٠ تثبيت حدود الدولة وقرارها المستقل
الخلاصة:الحوار الجنوبي–الجنوبي ليس اجتماع نوايا، بل عقد تأسيسي لدولة نظام وقانون ومواطنة متساوية، وأي حوار لا يحدد من يحاور، وعلى ماذا، وبأي ضمانات، سيتحول من فرصة تاريخية إلى بوابة خيبة جديدة وعلينا الإستفادة من تجاربنا الماضية.أما فيما يتعلق بالضمانات الإقليمية فهي لا تُبنى على الوعود، بل على تقاطع المصالح:
* رعاة إقليميون معلنون لا وسطاء غامضونإشراك دول إقليمية مؤثرة بشكل معلن ومحدد الدور.٠ رعاية مكتوبة للحوار، لا دعم خلف الكواليس.٠ تحديد سقف واضح: الدعم دون تدخل في القرار السيادي.* ربط الاستقرار الجنوبي بالأمن الإقليمي والدوليالتأكيد أن دولة جنوبية مستقرة:٠ تحمي خطوط الملاحة في باب المندب.تمنع تمدد الفوضى والإرهاب.٠ تحويل الجنوب من عبء أمني إلى شريك قوي.
* اتفاق عدم التدخلتعهدات إقليمية مكتوبة بعدم دعم أي طرف جنوبي على حساب آخر.تجريم تمويل الانقسامات أو الأجنحة المسلحة.
* الضمانات الدولية:
الضمان الدولي أكثر تعقيدا، لكنه أكثر إلزاما إذا صيغ بشكل صحيح:
1. رعاية أممية أو دولية متعددة الأطرافوضع مخرجات الحوار تحت مظلة:الأمم المتحدة أو مجموعة دولية (أصدقاء الجنوب مثلا)تسجيل المخرجات كوثيقة سياسية معترف بها دوليا.2. إدراج المخرجات في قرارات دولية والعمل على:قرار من مجلس الأمنأو بيان رئاسي داعميقر بحق الجنوبيين في فك الإرتباط وشكل دولتهم، وربط الدعم السياسي والاقتصاديكإعادة الإعمار، دعم المؤسسات، الاستثمار في الموانئ والطاقة والثروات السمكية والمعدنية وربط التمويل بتنفيذ مخرجات الحوار خطوة بخطوة.
أعلم انها لا توجد ضمانات مطلقة في السياسة، بل وجود مصالح دائمة؛ لكن أقوى ضمان هو أن تصبح مخرجات الحوار الوطني المتوازن الواعي مصلحة مشتركة لجنوبنا والإقليم والعالم.مع التأكيد أن السواد الأعظم من أبناء شعبنا يرى بأن قضيتنا الوطنية الجنوبية سقفها الأستقلال وتحت سقفها تُحل كل الإستحقاقات.