تتوالى التقارير الصحفية الدولية مؤخرًا لتُسلّط الضوء على جانبٍ آخر من المعاناة الإنسانية في قطاع غزة، يتجاوز أبعاد الحرب والجوع والتشريد، ويتطرّق إلى حالات من الاستغلال الجنسي للنساء في ظل الأزمة الراهنة التي يعيشها سكان القطاع. تقرير لصحفيي وكالة Associated Press نقل شهادات لنساء تحدثن عن تعرضهن لمضايقات وطلبات جنسية بوعد الحصول على مساعدات أساسية مثل الطعام أو المال أو حتى فرص عمل، وهو ما أثار قلقًا واسعًا حول بيئة المساعدات الإنسانية وكيفية توزيعها في الظروف الاستثنائية التي يمرّ بها القطاع.
وعد بالمساعدة يتحوّل إلى استغلال
واحدة من النساء البالغات من العمر 38 عامًا، التي تحدثت إلى الوكالة الأميركية، وصفت تجربتها داخل مخيم أثناء الحرب، حين أُخبرت بوجود شخص قادر على مساعدتها في تأمين الطعام أو حتى عمل مع وكالة مساعدات. بعد أن فقدت مصدر رزقها بسبب الحرب وكانت تكافح لإطعام ستة من أطفالها، وافقت على الاقتراب من هذا الرجل الذي وعدها بإيجاد وظيفة دائمة تتضمن عقدًا لمدة ستة أشهر.
لكن ما وعدها به لم يتحقق. بدلاً من أن تتوجّه إلى مكتب وظيفة، قادها الرجل إلى شقة مهجورة، حيث بدأ يغازلها ويطلب منها خلع الحجاب، وأبلغها بأنه مُعجب بها ولن يجبرها، لكنه أيضًا لم يسمح لها أن تغادر بسهولة. في النهاية دخل الاثنان في علاقة جنسية، كما روَت، لكنها قالت إنها كانت تشعر بـ الخوف والعار وأنها فعلت ذلك لأنها كانت ترغب بالخروج من تلك اللحظة الصعبة.
ما تلقّته بعد ذلك كان بضعة شيكل وبعض الطعام، بينما الوظيفة التي وُعدت بها لم تظهر على الإطلاق، ما يبيّن حجم الضعف والفجوة بين ما يُعلن عنه مقابل ما يحدث فعليًا.
ست نساء يشهدن للواقع الصادم
بحسب التقرير، تحدثت ست نساء بهذه الطريقة، لكلٍ منهن قصة مشابهة أو قريبة في مضمونها: وعد بمساعدة أساسية مثل الغذاء أو المال أو حتى فرصة عمل، مقابل تلبية طلبات جنسية أو علاقات غير واضحة واضحة تحت ضغط الحاجة. وقد وافقت بعضهن على تلك المطالب في ظلّ ضعف الخيارات، بينما رفض البعض الآخر، لكن جميع الشهادات تُظهر بيئة استغلال صارخة داخل سياق الأزمة الإنسانية.
المثير للانتباه أن القصص لم تتكشف بسهولة؛ معظم النساء تحدثن بشرط عدم الكشف عن هوياتهن خوفًا من العقاب الاجتماعي أو الانتقام من العائلات أو الرجال المعنيين. وبحسب التقرير، فإن الثقافة المحافظة في المجتمع تجعل الحديث عن التحرش أو الاعتداء الجنسي أمرًا محظورًا ثقافيًا، ما يجعل الإحصاءات الرسمية أو التقارير الدقيقة عن هذه الحالات نادرة أو مبهمة.
من هم هؤلاء المستغلون؟
بحسب شهادات وردت في التقرير، بعض هؤلاء الرجال كانوا يُعرّفون أنفسهم على أنهم عاملون في توزيع المساعدات، أو على الأقل كانوا يتنقلون في مواقع التسجيل والاستفادة من المساعدات. في إحدى الحالات، روَت امرأة أنها قدمت رقم هاتفها لأحد “العاملين” أثناء تسجيلها للحصول على دعم إنساني؛ وبعد ذلك بدأت مكالمات في أوقات متأخرة من الليل تتضمن أسئلة شخصية وجنسية، قبل أن تطلب منه اللقاء، فرفضت وسدّت باب التواصل.
في حالات أخرى، ورد ذكر أن استغلال النساء لم يأتِ دائمًا في صورة مباشرة بوضوح “عرض المال مقابل الجنس”، بل غالبًا بعبارات مموّهة مثل “أنا أريد أن أتزوجك” أو “دعينا نذهب إلى مكان ما”، في محاولة لتقليل وطأة الطلب الجنسي المباشر، بينما الهدف ما زال الاستفادة من حاجاتهن الأساسية.
صمت الضحايا والبيئة التي تعيق الإبلاغ
أشار التقرير أيضًا إلى أن شبكة حماية من الاستغلال والاعتداء الجنسي في سياق المساعدات (PSEA) تلقت بلاغات تتعلق بهذا النوع من الانتهاكات، لكنها اعتبرت أن الأرقام لا تعكس سوى قمة جبل الجليد، إذ أن العديد من الناجيات يخشين الإبلاغ بسبب وصمة العار أو الانتقام أو تداعيات أخرى اجتماعية.
ويعتبر باحثون أن مثل هذه الانتهاكات مألوفة في العديد من مناطق النزاع حول العالم، حيث يواجه النازحون والمحتاجون استغلالًا جنسيًا من قِبل من يُفترض أنهم يقدمون لهم المساعدة.
الذين يتعرّضون للخطر أكثر
بحسب المتخصّصين والمنظمات العاملة في غزة، فإن النساء والنازحات بشكل خاص يتعرضن لضغوط إضافية نتيجة شدة الأزمة الغذائية، الفقر، وتشتت العائلة. ومع وصول معظم السكان إلى حدّ اليأس من تأمين الاحتياجات الأساسية، تصبح النساء أكثر عرضة للابتزاز والانتهاكات تحت وطأة الحاجة المادية.