إن النظر إلى استهداف مليشيا الحوثي المتكرر لمطارات الجنوب على أنه مجرد عمليات عسكرية تكتيكية أو ردود فعل ظرفية، هو تبسيط مخل لطبيعة الصراع في اليمن.
المطار في حقيقته ليس مجرد مدرج للهبوط والإقلاع، بل هو التجسيد المادي الأكثر وضوحاً لمفهوم السيادة والدولة والاعتراف الدولي. وحين تستهدف مليشيا الحوثي مطار عدن أو الريان أو عتق، فإنها لا تستهدف منشأة خدمية في الجنوب، بل تستهدف ما تبقى من سيادة الدولة اليمنية نفسها، وتستهدف الفكرة بأن هناك جزءاً من اليمن لا يزال يمتلك القدرة على أن يكون آمناً وقابلاً للحياة ومرتبطاً بالعالم بعيداً عن سلطة المليشيا.
الحوثي يدرك بعمق أن معركته لم تعد معركة حدود وجبهات قتال كما كانت في 2015، بل تحولت إلى معركة شرعيات واقتصاد. فبعد أن فشل في إسقاط المحافظات المحررة عسكرياً، انتقل إلى استراتيجية الاستنزاف البطيء والخنق الاقتصادي.
والمطارات هي شريان هذا الاقتصاد الوطني. فمطار عدن ليس مجرد بوابة للمسافرين، بل هو شريان المنظمات الدولية والودائع والمساعدات والدبلوماسية، وآخر المطارات السيادية للجمهورية اليمنية التي تعمل بشكل دولي بعد اختطاف مطار صنعاء، وكل طائرة تحط فيه هي شهادة دولية بأن الدولة اليمنية لا تزال حاضرة وآمنة من عاصمتها المؤقتة عدن.
أما مطارات حضرموت وشبوة والمهرة، فهي مرتبطة بشكل عضوي بملف النفط والغاز، فاستقرارها يعني انتظام تصدير الثروة الوطنية وعودة الشركات وتدفق العملة الصعبة إلى البنك المركزي في عدن، وهو ما يعني عملياً بناء اقتصاد وطني مستقل عن اقتصاد الحرب والجبايات الذي تديره المليشيا في مناطق سيطرتها ويخدم كل اليمنيين شمالاً وجنوباً.
لذلك فإن إطلاق مسيّرة رخيصة الثمن نحو مطار ما، حتى لو لم تحقق إصابة دقيقة، فإنها تحقق هدفها الأكبر وهو رفع كلفة التأمين الجوي إلى مستويات فلكية، وإجبار شركات الطيران على تعليق رحلاتها، وإيصال رسالة للمستثمر المحلي والأجنبي بأن اليمن كله منطقة نزاع غير مستقرة ولا تصلح للاستثمار، وهذه هي حرب العقول التي تتقنها المليشيا، حرب تجعل من تكلفة الخوف أعلى بكثير من تكلفة الصاروخ نفسه.
وفي جانب آخر، يحمل الاستهداف بعداً سياسياً ابتزازياً خطيراً على طاولة المفاوضات القادمة. فالمليشيا تتعامل مع ملف الطيران كملف تفاوضي متكامل لا يتجزأ. هي تريد أن تفرض معادلة جديدة على المجتمع الدولي والتحالف مفادها أن أمن مطار صنعاء المختطف وفتحه كمنفذ دولي سيادي وحيد تحت سيطرتها، يجب أن يقابله القبول بتهديد ما تبقى من مطارات الجمهورية في الجنوب.
فيما ترى أن فتح ميناء الحديدة دون قيود يجب أن يقابله إغلاق ميناء الضبة النفطي وتهديد مطارات تصدير النفط الوطني. إنها سياسة الرهائن الجوية، حيث تحول كل مطار يمني عامل في الجنوب إلى ورقة ضغط يمكن المتاجرة بها مقابل مكاسب سياسية واقتصادية للمليشيا في الشمال، ومحاولة لانتزاع اعتراف ضمني بأنها هي من تتحكم بإيقاع السماء اليمنية كلها، شمالاً وجنوباً، وأنها القوة الوحيدة القادرة على منح الأمان أو سحبه.
كما لا يمكن فصل هذا الاستهداف عن السياق النفسي. فالمواطن اليمني الذي عاش سنوات يبحث عن دولة تحميه وتعيد له كرامته، يرى في مطار عدن الدولي رمزاً لعودة هذه الدولة. وعندما يُقصف هذا الرمز بشكل دوري، فإن الهدف ليس تدمير المبنى، بل تدمير الثقة النفسية بعودة الدولة اليمنية من بوابة الجنوب.
المطلوب أن يفقد المواطن ثقته بأن حكومته قادرة على حماية أهم منشآتها، وأن يشعر المغترب اليمني أن العودة إلى وطنه محفوفة بالمخاطر، وأن يترسخ في الوعي الجمعي أن مشروع استعادة الدولة مهما حاول أن يبدو مستقراً من عدن، سيبقى هشاً ومهدداً.
هي رسالة موجهة أيضاً إلى الأشقاء في التحالف، مفادها أن كل ما تبنونه من بنية تحتية واستقرار في المحافظات المحررة يمكن الوصول إليه وتدميره بمسيّرة لا يتجاوز ثمنها بضعة آلاف من الدولارات.
ولهذا فإن استهداف مطارات الجنوب يجب أن يُقرأ كجزء من عقيدة حوثية شاملة ترفض فكرة الدولة اليمنية الواحدة القائمة على الشراكة.
فبالنسبة للمليشيا، لا يمكن أن توجد عاصمة مؤقتة ولا مطار سيادي ولا ميناء نفطي خارج سيطرتها، فاليمن في عقيدتها يجب أن يبقى مركزياً بيدها، والمركز هو صنعاء المختطفة، وكل محاولة لبناء مؤسسات بديلة للدولة في عدن أو حضرموت هي تمرد يجب إجهاضه، ليس بالضرورة باحتلال الأرض، بل بتعطيل وظيفتها وإفراغها من معناها السيادي.
غير أن هذا الاستهداف ما كان له أن يتحول إلى نمط دائم لولا حالة الفراغ في حماية هذه المنشآت السيادية. فمطارات الجنوب لم تحظَ حتى اليوم بمنظومة دفاع جوي ورادارات حماية تليق بمكانتها، وظل التعامل معها كملف إداري لا كملف سيادي، وهو ما تركها مكشوفة أمام الاستهداف.
وهكذا، يدفع المواطن اليمني وحده، شمالاً وجنوباً، ثمن هذه العزلة المفروضة، بين عدو يريد إفراغ الدولة من مضمونها، وتراخٍ ترك هذه المنشآت دون الحماية التي تستحقها.