أحد عشر عاماً من الحرب كانت كفيلة بكشف الكثير من الحقائق. فقد تدخل التحالف في مارس 2015، ومنذ ذلك الحين يُختبر كل طرف بميزان واحد: مَن يدفع الكلفة في الميدان، ومَن تتعارض حساباته مع هدفه المعلن.
وحين بلغ التصعيد في سبتمبر أوسع مدى له منذ هدنة 2022، اتضح تفاوت لافت بين الجبهات. فعلى الساحل الغربي أعلنت ألوية العمالقة الجنوبية، الخاضعة للقائد أبو زرعة المحرمي، والمُمنهجة ذات الأيديولوجية الجنوبية، وبعض قوات درع الوطن المُشكّلة مؤخراً من التيار السلفي أيضاً، إحكام السيطرة على باب المندب وذُباب وجبال كهبوب والوازعية بتعز، التي تمكن الحوثي من دخولها الشهر الماضي بعد فرار قوات طارق عفاش والمقاومة التهامية منها. بينما قالت مصادر حكومية إن القوات المسمّاة بالجيش الوطني الرسمي الخاضع لوزارة الدفاع الشرعية، سيطرت على الأجزاء المنخفضة من معسكر اللبنات في الجوف وتجد صعوبة في إتمام السيطرة عليه، وتم توقفها كلياً بعد جبهة مأرب. وهذا التفاوت سؤال سياسي وعسكري، لا مجرد سجال بين المكونات.
هل تكمن المشكلة في بنية الجيش الوطني وتعدد الولاءات؟ أم في غياب الثقة بين القوى الشمالية والمملكة؟ أم في الحسابات المتعلقة بمَن سيحكم صنعاء بعد تحريرها؟
أولاً: الجيش الوطني بين وحدة القيادة وتعدد الولاءات
من أبرز الفرضيات أن الجيش الوطني الخاضع لوزارة الدفاع، رغم انتمائه المؤسسي إلى الشرعية، لا يتحرك بالضرورة ككتلة واحدة في القرار والولاء والأولويات. وتؤيد الوقائع هذه الفرضية: فالقوات الحكومية تحالف من فصائل مسلحة أخرى، منها القوات المشتركة على الساحل ودرع الوطن وقوات الطوارئ والعمالقة الجنوبية، وهي تنسق اليوم رغم تنافس تاريخي بين العمالقة الجنوبية ودرع الوطن. وللذاكرة: كانت العمالقة الجنوبية تحت إدارة الانتقالي حتى 6 يناير، ثم انتقلت إلى الحكومة بعد 7 يناير شكلياً، إلا أنها تتلقى التعليمات من القائد العام لها (المحرمي) الذي عينه عيدروس الزُبيدي سابقاً كقائد عام للقوات الجنوبية كافة. ومع ذلك، وما تقتضيه المرحلة، جعلت المملكة القوة تحت قيادتها فعلياً بتوافق مع المحرمي بشكل كلي وبقية القوات. ورغم أنها تتمثل تحت قيادة العليمي شكلياً، إلا أنها تتوافق مع بقية القوات الحكومية في تعز ومأرب والجوف وميدي... الخ، لبدء توافق ينهي الانقلاب الحوثي الذي لم يحدث حتى اللحظة.
فإذا كانت الجبهات تخضع لقيادة موحدة فعلاً، فما التفسير لتفاوت حركتها؟ وإذا كانت الأوامر تصدر ولا تُنفَّذ بالفاعلية المطلوبة، فأين المشكلة: في القيادة، أم في الإمكانات، أم في الحسابات السياسية؟
ثانياً: أزمة الثقة بين الرياض والقوى الشمالية
قد يكون أحد تفسيرات تعثر بعض الجبهات أن العلاقة بين الرياض وبعض القوى الشمالية تقوم على تقاطعات الضرورة أكثر مما تقوم على شراكة استراتيجية مستقرة. وهذه فرضية لا حكم قاطع. وحينئذ تتحول المشكلة من نقص السلاح إلى أزمة ضمانات سياسية متبادلة. حين تتراجع الثقة بشأن مستقبل السلطة، قد تصبح كلفة التقدم العسكري في نظر بعض الأطراف أعلى من كلفة استمرار الوضع القائم، كما عملت قيادة محور تعز بتسليم الجبهات رغم امتلاك السلاح. ولا يخلو الميدان من مخاطر ذلك: فتحليلات ترى أن المكاسب المحدودة على الساحل ومأرب قد تأتي بكلفة أكبر، منها احتمال سقوط مدينة تعز.
ثالثاً: صنعاء ليست مجرد مدينة تُحرَّر، بل سلطة ستُعاد صياغتها
ربما يكون السؤال الأكثر حساسية: ماذا بعد تحرير صنعاء؟ فإسقاط سلطة الحوثيين، إن تحقق، سيفتح معركة سياسية على شكل الدولة ومركز القرار. وإذا شعر أي طرف بأن تقدمه العسكري قد يمنح منافسيه السياسيين مكاسب أكبر، فقد تتراجع حوافزه للمخاطرة. حين تغيب الضمانات السياسية، قد تتحول معركة تحرير العاصمة إلى معركة مؤجلة على مَن يملك حق حكمها.
رابعاً: الجنوب بين عبء الميدان والجدل حول التسمية
يجد الجنوب نفسه أمام استنزاف مزدوج: في الميدان ضد الحوثي، وسياسياً وإعلامياً من قوى محسوبة على الشرعية. ولسنوات اتُّهم المجلس الانتقالي بعرقلة استعادة صنعاء. وقد أُعلن حله في 9 يناير، وبعد تسعة أشهر لم يُعلن تقدم حاسم نحو العاصمة، بل كان الحوثي هو من بادر بهجوم واسع في سبتمبر. وفي ذلك ما يُضعف تلك السردية.
ولم يُحَلّ المجلس لأن الجنوبيين تخلوا عنه، بل لأن خلافه مع الرياض بلغ حد الاشتباك على الشرق، وهو شرق كان جزءاً من جنوب ما قبل 1990. فقد قال المجلس إن تحركه في حضرموت والمهرة يستهدف قطع خطوط الإمداد والتهريب عن الحوثيين. وكان خبراء الأمم المتحدة قد رصدوا في تقريرهم لعام 2020 أن المسار الرئيسي للتهريب يمتد برّاً من عُمان والساحل الجنوبي عبر مناطق تسيطر عليها الحكومة نحو صنعاء. أما الرياض فتعدّ حضرموت خطاً أحمر واعتبرت ذلك أمناً قومياً، والحقيقة التي يتهمها بها الجنوبيون إنما تعود لاتساعها ونفطها، وقد طالبت بالانسحاب ثم نفذت غارات جوية في 26 ديسمبر. فجوهر الخلاف: مَن يحكم الشرق ومَن يملك قراره، والذي انتهى بعودة القوات الشمالية إليها مما اعتبره الجنوبيون عودة للعصابات ومركزية الفساد... الخ.
وفيما يقول خصوم المجلس إنه لا يمثل الجميع، فليحتكموا إلى الشارع. خرجت في عدن في 16 يناير أكبر مسيرة مليونية حتى ذلك الحين، وعادت التظاهرات في يونيو. وفي المقابل يتصدر المشهد، بحسب قراءة محللين جنوبيين، شخصيات قريبة من الرياض ومنتمية إلى أحزاب يمنية، ولم يُوثَّق لهم حشد مقارن. ومَن يدّعي التمثيل فليثبته: يمكن أن يُحلَّ مجلس بقرار، لكن لا يُحلُّ مطلب بقرار.
ويدور جدل حول تسمية العمالقة بـ"الجنوبية"، وهي تسمية تستخدمها وسائل إعلام دولية فعلاً منها إعلام سعودي. ويعد الاكتفاء بالمعارك الإعلامية حول المصطلح تسطيحاً للمعضلة. فالقوة العسكرية، مهما عظمت، إن بقيت بلا غطاء سياسي ومشروع جنوبي واضح فهي أداة تكتيكية. والمصطلحات وحدها لا تحمي، إذ يستطيع قرار رئاسي أو قرار من مجلس القيادة أن يلغي أثرها، وثمة من يرى أن قوى منافسة، وفي مقدمتها حزب الإصلاح، تعارض أي مكسب جنوبي. وفي المقابل فإن قوى الإصلاح تدعي أنها تقاتل الحوثيين ضمن المعسكر الحكومي، وهو ما يراه محللون على عكس ذلك؛ حيث يعتبرونها متحالفة من تحت الطاولة مع الحوثي، وأن السعودية لا تثق بتقدمها لقتال الحوثيين، ما يثبته تجميد جبهاتهم في مأرب والجوف وميدي وصعدة... ومنها ألوية سُلمت للحوثي في تعز.
خامساً: هل تتحول التضحيات الجنوبية إلى أوراق تفاوض لخصوم سياسيين؟
إذا تقدمت قوة جنوبية في الميدان، فإن نتائج تقدمها لا تتوقف عند حدود المنطقة التي تحررها؛ بل قد تمنح أطرافاً أخرى أوراقاً تفاوضية لم تكن تمتلكها. فالخطر ليس أن يستفيد حليفك من تقدمك العسكري؛ الخطر أن تدفع أنت كلفة التقدم بالدماء، بينما تُترك لك وحدك كلفة الخسارة إذا استُثمرت الانتصارات في فرض تسوية أحادية. ولذلك لا معنى لانتصارات عسكرية جنوبية إن لم تؤطرها ضمانات سياسية تمنع سرقتها.
سادساً: الذاكرة السياسية لا تُمحى... وأزمة الثقة مع التحالف
لا يمكن فهم موقف قطاعات واسعة من الجنوبيين من الدور السعودي دون العودة إلى التجارب السابقة. وقد جاء إعلان حل المجلس من الرياض متنازعاً على شرعيته: باطل وصادر تحت الإكراه عند المجلس.
وقد أثبتت الوقائع أن بناء التحالفات على حسن النوايا أو الاعتماد الكلي على حليف واحد لم يعد مجدياً. وقد عبّرت قطاعات واسعة عن فقدان الثقة، ومنها مظاهرات يونيو ضد ما وصفه المتظاهرون بالوصاية السعودية.
قيلت وعود يناير حين كان الحل حديث الساعة. فقد ذُكر أن قرار الحل أعقب تعهداً سعودياً بدعم أي إطار وطني جنوبي يخرج من مؤتمر الرياض وعرض مخرجاته على طاولة التسوية الشاملة، وأفادت التقارير بأن رئيس مجلس القيادة قال إن تقرير المصير سيبقى أولوية، وأكد عضو المجلس الجنوبي المحرمي حق الجنوب في تقرير مصيره.
وها قد مضت أكثر من تسعة أشهر، فماذا بقي من الوعود؟ أُرجئ الحوار الجنوبي إلى أجل غير مسمى، ولم تثمر استضافة مئات الشخصيات الجنوبية عن تقدم ملموس حتى يوليو، وظل طلب وفد المجلس العودة إلى عدن بلا جواب. لا موعد، ولا جدول زمني، ولا ميثاق وطني جامع للجنوبيين. والشيء الوحيد المكتوب والمنفَّذ هو قرار أربعة من أعضاء مجلس القيادة في ديسمبر بتعليق أي مسؤول يدعم الانفصال.
الثقة لا تُبنى بالمطالبة بالطاعة، بل بضمانات قابلة للاختبار. ومن هنا مطلب الجنوبيين الواضح: اعتراف صريح وملزم من السعودية والشرعية بحق الجنوب في تقرير مصيره بعد انتهاء الحرب. ودون ضمان ملزم وجدول زمني، لا يعني التعهد الشفهي سوى أن الجنوبيين وحدهم يدفعون ثمن الانتظار، وأن كل الانتصارات تظل معلقة في الهواء.
سابعاً: المأزق الحقيقي هو غياب المشروع السياسي الجامع
المأزق الأعمق غياب اتفاق قابل للتنفيذ بشأن السلطة التي ستدير الأمور بعد الحرب. فالجيش لا يصبح وطنياً بمجرد حمل الاسم، بل حين يؤدي مهامه بصدق ويوجّه بوصلته نحو العدو الحقيقي. والقضية الجنوبية لا يمكن التعامل معها كتفصيل مؤجل يخضع للمزاج الإقليمي. وهي اليوم تعاني فراغاً مضاعفاً: اجتماع لتوحيد أجندة الناشطين الجنوبيين في عدن منعته الأجهزة الأمنية، ووفد المجلس في الرياض ينتظر الإذن بالعودة.
والفراغ لم يبقَ فراغاً. فبينما تحتشد الساحات، تُقام "حوارات جنوبية-جنوبية" في قاعات الورش، منها ورشة نظّمها تكتل أحزاب لمناقشة قضية الجنوب في إطار مخرجات مؤتمر الحوار الوطني. يا لها من مفارقة: مَن لم يقِس وزنه في ساحته يتحدث باسم شعب، ويستدعي وثيقة صيغت قبل أن تسقط صنعاء بيد الحوثي، وقبل أن يدفع الجنوبيون أرواحهم ثمناً لأرضهم، ثم يطلب منهم العودة إلى ما قبل الحرب كأن شيئاً لم يحدث. إن مخرجات 2014 وثيقة من زمن مضى. ومن أراد محاورة الجنوب فليحاوره بالواقع الذي صنعته التضحيات، لا بما كُتب قبل أن تتبدل الخرائط والأثمان.
الخلاصة: مَن يحدد الهدف، ومَن يتحمل الكلفة؟
اليمن لا يحتاج إلى انتصار عسكري منفصل عن السياسة، ولا إلى تسوية تُفرض على حساب من قاتلوا وضحوا. إنه يحتاج إلى معادلة واضحة: شراكة في القرار، وعدالة في توزيع المسؤولية، وضمانات حقيقية للجميع، وفي مقدمتها حق تقرير المصير للجنوب.
وإذا لم تكن هناك إجابة واضحة وتصحيح حقيقي لمسار المعركة، فقد تتغير خرائط السيطرة، لكن السؤال سيبقى: هل نخوض حرباً حقيقية لإنهاء الانقلاب، أم ندير جموداً تتقاطع حوله مصالح أطراف عدة؟