في ظل التطورات العسكرية والسياسية المتسارعة التي تشهدها الساحة اليمنية، تبرز مؤشرات ميدانية بالغة الخطورة تتعلق بتراجع القوات المناهضة للحوثيين في عدد من الجبهات والمواقع، وسط تقارير عن سقوط مواقع وتسليم أخرى لجماعة الحوثيين. وبينما قد تبدو هذه التطورات في ظاهرها مرتبطة بخطوط المواجهة في الشمال، فإن تداعياتها المحتملة تتجاوز حدود تلك الجبهات، لتطرح أمام الجنوب أسئلة صعبة حول مستوى الاستعداد والقدرة على مواجهة أي تحولات عسكرية قد تفرض نفسها خلال المرحلة المقبلة.
المسألة، وفق هذا المنظور، لا تتعلق بموقع عسكري هنا أو جبهة هناك، وإنما بموازين القوة التي يمكن أن تتغير بصورة متسارعة عندما تنتقل مناطق واسعة من حالة المواجهة إلى حالة الفراغ أو الانكشاف. فكل موقع يسقط أو جبهة تتراجع فيها القوات المناهضة للحوثيين يمكن أن تفتح مسارات جديدة أمام الجماعة، وتمنحها هامشاً أوسع لإعادة ترتيب انتشارها وتعزيز قدراتها، وهو ما يجعل مراقبة المشهد واجباً لا يقتصر على القوى الموجودة في خطوط التماس المباشرة.
وبالنسبة للجنوب، فإن الخطر الأكبر يكمن في تكرار سيناريوهات سابقة، حين تحولت الانهيارات العسكرية في بعض المناطق إلى موجات تقدم متسارعة، قبل أن تصل تداعياتها إلى مناطق أخرى. ولذلك فإن قراءة المشهد من زاوية جنوبية تفرض التعامل مع التطورات الحالية باعتبارها إنذاراً مبكراً يستدعي رفع مستوى اليقظة، وليس انتظار وصول الخطر إلى الحدود الجنوبية حتى يبدأ التحرك.
فالجنوب، الذي دفع ثمناً باهظاً خلال سنوات الحرب، لا يستطيع التعامل مع أي تهديد محتمل بمنطق رد الفعل المتأخر. حماية الأرض تتطلب استعداداً سياسياً ومجتمعياً وأمنياً وعسكرياً، كما تتطلب قبل ذلك وجود رؤية واضحة تجاه طبيعة المرحلة المقبلة، خصوصاً في ظل تعدد القوى والمشاريع المتصارعة على الساحة اليمنية.
وهنا تبرز أهمية وحدة الصف الجنوبي بوصفها عاملاً أساسياً في مواجهة أي تطورات قد تستهدف أمن الجنوب واستقراره. فالاختلاف السياسي بين المكونات يمكن أن يبقى في إطار التنافس السياسي، لكن عندما يتعلق الأمر بحماية الأرض ومنع عودة الحرب إلى المدن والمناطق الجنوبية، فإن الأولوية تصبح للحد الأدنى من التوافق الذي يسمح بتوحيد الموقف أمام المخاطر الكبرى.
إن تعدد المواقف الجنوبية في لحظة عسكرية حساسة قد يمنح الخصوم فرصة لاستغلال التباينات الداخلية، بينما يؤدي الاصطفاف حول الثوابت الأمنية والوطنية إلى تقليص مساحة المناورة أمام أي قوة تسعى إلى اختراق الجنوب أو زعزعة أمنه. ومن هنا، فإن توحيد الكلمة لا يعني بالضرورة إلغاء الاختلافات السياسية، بل يعني الاتفاق على أن أمن الجنوب وأرضه واستقراره خطوط حمراء لا ينبغي تحويلها إلى مادة للخلافات والمناكفات.
وفي المقابل، فإن التطورات في الجبهات الشمالية يجب ألا تُستخدم ذريعة للزج بأبناء الجنوب في معارك خارج حدود مصالحهم وأولوياتهم. فهناك فرق بين الاستعداد لحماية الجنوب من أي تهديد محتمل وبين إرسال القوات الجنوبية إلى ساحات مفتوحة لا تخدم بالضرورة أمنها المباشر. وهذه معادلة تحتاج إلى قراءة دقيقة توازن بين مواجهة الخطر وحماية القوة الجنوبية من الاستنزاف.
كما أن المرحلة الراهنة تفرض على القوى السياسية والاجتماعية الجنوبية رفع مستوى التنسيق، وتبادل المعلومات، ومراقبة التطورات الميدانية بصورة مستمرة، إلى جانب تعزيز الجبهة الداخلية ورفض أي محاولات لإثارة الانقسامات المناطقية أو السياسية. فالتهديدات الخارجية تصبح أكثر خطورة عندما تجد بيئة داخلية منقسمة أو منشغلة بصراعات جانبية.
وإذا كانت السنوات الماضية قد أثبتت أن الانهيار المفاجئ للجبهات يمكن أن يغير المشهد خلال فترة قصيرة، فإن الدرس الأهم الذي ينبغي استخلاصه هو أن الاستعداد لا يبدأ بعد سقوط المواقع، وإنما قبل ذلك بكثير. اليقظة المبكرة، ووحدة القرار، وتماسك المجتمع، والاستعداد للدفاع عن الأرض، كلها عناصر تشكل منظومة واحدة لحماية الجنوب من أي ارتدادات محتملة للصراع.
إن الجنوب اليوم أمام مسؤولية تاريخية لا تحتمل الاستهانة. فالمطلوب ليس خطاباً عاطفياً مؤقتاً، ولا اصطفافاً مرتبطاً بحدث عابر، وإنما بناء موقف جنوبي أكثر تماسكاً في مواجهة التحولات المتسارعة. وكلما ازدادت التطورات العسكرية تعقيداً، ازدادت الحاجة إلى تجاوز الحسابات الصغيرة والالتقاء حول القضايا التي تمس الأمن والأرض والمستقبل.
وفي نهاية المطاف، فإن منع عودة الحوثيين إلى الجنوب لا يرتبط بجبهة واحدة أو محافظة واحدة، بل يعتمد على منظومة متكاملة تبدأ من وحدة الصف الداخلي، مروراً بالجاهزية واليقظة، وصولاً إلى وضوح الموقف السياسي تجاه أي تهديد محتمل. فالجنوب الذي يريد حماية أرضه لا يمكنه انتظار الخطر حتى يصبح أمراً واقعاً، بل يحتاج إلى الاستعداد منذ اللحظة التي تظهر فيها مؤشرات التحول.
ولهذا تبدو وحدة الصف الجنوبي اليوم أكثر من مجرد شعار سياسي؛ إنها ضرورة تفرضها طبيعة المرحلة. فحين تكون الجبهات عرضة للتبدلات السريعة، يصبح التماسك الداخلي أحد أهم عناصر القوة، وتصبح حماية الجنوب مسؤولية مشتركة تتجاوز حدود المكونات والمناطق والمحافظات.
إن الرسالة الأبرز التي تفرضها التطورات الراهنة هي أن أمن الجنوب لا ينبغي أن يكون رهينة للمفاجآت. فالوعي بالمخاطر، والاستعداد لها، وتوحيد الموقف، وحماية الجبهة الداخلية، هي الطريق الأقصر لتفادي تكرار أخطاء الماضي، ومنع أي طرف من استغلال الفوضى أو الانقسام لفرض واقع جديد على الأرض.
وفي لحظة تتغير فيها خرائط النفوذ بصورة متسارعة، يبقى السؤال الحقيقي أمام الجنوبيين: هل يستطيعون تحويل المخاطر المتصاعدة إلى فرصة لتعزيز وحدتهم وتماسكهم، أم يتركون الخلافات الداخلية تسبقهم إلى مواجهة استحقاقات المرحلة؟
الإجابة عن هذا السؤال لن تكون بالكلمات وحدها، بل بما ستفرزه الأيام المقبلة من مواقف واستعدادات وقدرة على حماية الجنوب ومصالح أبنائه.