تصاعدت في الأسابيع الأخيرة المخاوف الإسرائيلية من احتمال توقيع الولايات المتحدة اتفاق نووي مع إيران لا يلبي المعايير الأمنية التي تراها تل أبيب ضرورية لضمان الاستقرار الإقليمي.
ونقل الإعلام العبري الاثنين عن مصادر رسمية أن إسرائيل أرسلت رسائل واضحة إلى واشنطن تحذرها من “خداع” إيران، محددة ثلاثة شروط رئيسية لأي صفقة تُعتبر مناسبة: عدم امتلاك أسلحة نووية، وقف تطوير الصواريخ البالستية، وقطع الدعم عن وكلاء طهران في المنطقة، بما يشمل جماعة الحوثي في اليمن وحزب الله والفصائل المسلحة المدعومة من إيران في لبنان وسوريا.
وتعكس هذه الرسائل الإسرائيلية قلقًا متزايدًا من أن الولايات المتحدة، في سعيها لإبرام اتفاق نووي سريع، قد تُغرى بتقديم تنازلات قد تقوض الأمن الإقليمي، وتضعف موقف إسرائيل الاستراتيجي.
ويأتي هذا التحرك في سياق زيارات مكثفة لمسؤولين عسكريين كبار إلى واشنطن، من بينهم رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير ورئيس شعبة الاستخبارات العسكرية “أمان” شلومي بيندر، حيث بحث هؤلاء كبار القادة مع المسؤولين الأميركيين مختلف السيناريوهات العسكرية والدبلوماسية الممكنة لمواجهة إيران، بما في ذلك الهجوم المحتمل على منشآتها النووية والعسكرية.
ولم تكن الخطوة الإسرائيلية مجرد إعلام، بل مرتبطة بتنسيق استخباراتي وعسكري دقيق مع الولايات المتحدة. فقد نقلت إسرائيل معلومات حساسة ودقيقة عن النشاطات الإيرانية الرامية إلى إعادة بناء قدراتها العسكرية، بما في ذلك تطوير الصواريخ البالستية، وهو الملف الذي يشكل مصدر قلق بالغ للمؤسسة الأمنية والقيادة السياسية في تل أبيب.
كما أن التنسيق مع واشنطن يشمل الحصول على إخطار مسبق لأي ضربة محتملة ضد إيران، وهو ما يسمح لإسرائيل بالاستعداد الميداني وإطلاع الجمهور على المخاطر المحتملة، ويؤكد على طبيعة العلاقة التي تتجاوز مجرد الشراكة السياسية إلى شراكة استراتيجية أمنية عميقة.
وفي المقابل، يحاول النظام الإيراني إدارة التحديات المتزايدة عبر تقييد النقاشات الدبلوماسية على الملف النووي، فيما يرفض التفاوض حول صواريخه أو دعم وكلائه الإقليميين.
وأكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن أي مفاوضات محتملة مع الولايات المتحدة ستقتصر على البرنامج النووي، وأن أنظمة الدفاع الصاروخية لن تكون موضوع التفاوض، ما يعكس إصرار طهران على الاحتفاظ بمحددات قوتها الإقليمية كأساس للردع الاستراتيجي.
وتأتي هذه التطورات في سياق تصاعد الضغوط الأميركية والإسرائيلية على إيران، بالتوازي مع موجة الاحتجاجات الشعبية التي انطلقت في أواخر ديسمبر 2025 احتجاجًا على تدهور الوضع الاقتصادي والمعيشي.
وقد اعترفت طهران بوجود استياء شعبي، لكنها اتهمت واشنطن وتل أبيب بمحاولة استغلال هذه الاحتجاجات كذريعة للتدخل العسكري وفرض تغيير سياسي، في محاولة لتقويض سلطة النظام القائم.
ويشكل هذا المزيج من الضغوط الداخلية والخارجية تحديًا مزدوجًا لطهران، إذ تواجه ضغوطًا لإعادة النظر في برنامجها النووي، وفي الوقت ذاته تسعى للحفاظ على سيادتها وقدرتها على الردع الإقليمي.
خلفية التوتر ليست جديدة، إذ شهد منتصف عام 2025 عدوانًا إسرائيليًا مدعومًا أميركيًا استمر 12 يومًا على أهداف إيرانية، شمل مواقع عسكرية ونووية ومنشآت مدنية، إضافة إلى عمليات اغتيال لعلماء وقادة عسكريين.
وجاء الرد الإيراني عبر هجمات على مواقع إسرائيلية وأميركية في المنطقة، قبل أن يتم التوصل إلى وقف لإطلاق النار في 24 يونيو 2025.
وتعطي هذه الخلفية العسكرية أي مفاوضات نووية محتملة طابعًا حساسًا للغاية، حيث تترابط الدبلوماسية مع القدرة العسكرية والردع الاستراتيجي.
ومن الجانب الأميركي، تحاول واشنطن الجمع بين الضغط الدبلوماسي على طهران، واستعداد عسكري يضمن قدرتها على الرد على أي تهديد محتمل.
وأعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب جاهزية الولايات المتحدة لتوجيه ضربة قوية لإيران، لكنه فضل في الوقت نفسه الحلول الدبلوماسية، ما يعكس ازدواجية السياسة الأميركية بين التهديد العسكري والحوار السياسي.
وتمنح هذه الازدواجية إسرائيل مساحة أكبر لتوجيه الرسائل والتحذيرات، إذ ترى تل أبيب أن التوازن في أي صفقة نووية يجب أن يعكس مصالحها الأمنية بشكل مباشر.
ويكشف التحليل الاستراتيجي أن إسرائيل تسعى ليس فقط لضمان شروط الصفقة النووية، بل لتعزيز موقعها كجهة ضاغطة وحاسمة في تحديد مسار أي اتفاق محتمل. فإرسال رسائل تحذيرية إلى واشنطن، وتوفير معلومات استخباراتية دقيقة، وتنسيق الخطط العسكرية مسبقًا، كلها خطوات تهدف إلى ضمان أن أي تفاوض أميركي مع إيران لن يكتمل دون أخذ المخاوف الإسرائيلية في الحسبان.
وفي هذا الإطار، يشدد القادة الإسرائيليون على أن أي اتفاق ضعيف قد يفتح الباب أمام طهران لتطوير أسلحة نووية أو صواريخ بالستية، أو توسيع نفوذها الإقليمي عبر وكلائها، وهو ما يعتبر تهديدًا مباشرًا لأمن إسرائيل وللتوازن الاستراتيجي في المنطقة.
الشروط الإسرائيلية تعكس قلقًا متزايدًا من أن الولايات المتحدة، في سعيها لإبرام اتفاق نووي سريع، قد تُغرى بتقديم تنازلات قد تقوض الأمن الإقليمي، وتضعف موقف إسرائيل الاستراتيجي.
ومن زاوية أخرى، تؤكد هذه التحركات على أن الملف الإيراني أصبح محور اهتمام مشترك بين واشنطن وتل أبيب، حيث كل خطوة أميركية ترتبط مباشرة بتقديرات إسرائيل الأمنية والسياسية.
ويبرز هذا في الطلب الإسرائيلي بالحصول على إخطار مسبق لأي هجوم محتمل، وضمان التفوق الجوي قبل أي ضربة، مع الاستمرار في حشد القوات الأميركية في المنطقة لتعزيز الردع، وهو ما يعكس فهمًا مشتركًا لأهمية القدرة العسكرية كأداة ضغط وتفاوض.
وتظل المعضلة الأساسية للولايات المتحدة في هذا الملف هي كيفية التوصل إلى اتفاق دبلوماسي مع إيران يحقق الحد الأدنى من الأمن الإقليمي، دون أن يغفل الاحتياجات الأمنية الإسرائيلية، وفي الوقت ذاته دون دفع النظام الإيراني نحو التصعيد العسكري.
وتجعل هذه المعادلة أي تفاوض معقدًا، إذ يجب التوفيق بين الرغبة الأميركية في حل دبلوماسي سريع، وضرورة تلبية المتطلبات الأمنية لتل أبيب، مع مراعاة الأوضاع الداخلية في إيران، حيث الاحتجاجات الشعبية قد تتحول إلى عامل ضغط إضافي على النظام.
كما أن إسرائيل تدرك أن الفرصة للتأثير على نتائج أي اتفاق قد لا تتكرر، ولهذا حثت الولايات المتحدة على الاستفادة من هذه اللحظة التاريخية قبل فوات الأوان.
ومن هذا المنطلق، يظهر الدور الإسرائيلي كعنصر فاعل وحاسم، ليس فقط في تحديد معايير أي صفقة محتملة، بل في إدارة الديناميات العسكرية والدبلوماسية التي تحدد شكل وأفق أي مفاوضات.
وتسعى إسرائيل إلى التأكد من أن أي اتفاق نووي مع إيران لن يكون مجرد وثيقة سياسية، بل إطارًا يضمن أمنها الإقليمي واستقرار التوازن الاستراتيجي.
وتعمل تل أبيب على هذا المسار من خلال المزيج المتكامل بين التحذيرات الدبلوماسية، والتنسيق الاستخباراتي، والاستعداد العسكري المشترك مع الولايات المتحدة.
وفي المقابل، تحاول طهران إدارة الضغوط عبر حصر المفاوضات بالملف النووي ورفض النقاش حول الصواريخ ودعم الوكلاء، بينما تواجه تحديات داخلية متنامية.
ويضع هذا الواقع المنطقة أمام معادلة صعبة، حيث أي قرار أميركي بشأن إيران لن يكون مجرد خيار دبلوماسي، بل جزءًا من شبكة متشابكة تشمل القدرات العسكرية، التحالفات الاستراتيجية، وضغط الشارع الإيراني، إلى جانب مصالح إسرائيل الأمنية المباشرة.
وفي ضوء هذا المشهد، يبدو أن التحركات القادمة في الملف الإيراني ستحدد بشكل كبير مسار الاستقرار أو التصعيد في الشرق الأوسط، وسيظل التنسيق الإسرائيلي–الأميركي محورًا لا غنى عنه لضمان أي نتيجة مقبولة للطرفين في مواجهة طهران