تقرير: مريم بارحمة
تدشن الأمانة العامة لهيئة رئاسة المجلس الانتقالي الجنوبي العربي مساراً جديداً من التواصل المباشر مع مختلف شرائح المجتمع الجنوبي، بافتتاح لقاءاتها بالقطاع النسوي، في خطوة تعكس إدراكاً متزايداً للدور المحوري الذي تضطلع به المرأة في الحياة السياسية والمجتمعية، وفي مسار النضال الجنوبي الممتد عبر مراحل تاريخية متعاقبة.
وجاء اللقاء الموسع الذي عقدته الأمانة العامة، يوم الخميس 27 أغسطس 2026، بمشاركة ممثلات عن الاتحادات والنقابات ومنظمات المجتمع المدني والإعلاميات والناشطات، ليشكل مساحة للحوار حول واقع المرأة الجنوبية، والتحديات التي تواجهها، وسبل توسيع مشاركتها في المجالات السياسية والمجتمعية والتنظيمية، بما يتناسب مع مكانتها ودورها في المجتمع.
_ المرأة الجنوبية حضور متجذر في مسيرة النضال
حمل اللقاء رسالة سياسية واضحة مفادها أن المرأة الجنوبية ليست طرفاً هامشياً في مسيرة العمل الوطني، بل شريك أساسي في صناعة التحولات والدفاع عن قضايا المجتمع.
وفي مستهل اللقاء، نقل عضو هيئة الرئاسة، الأمين العام الأستاذ وضاح الحالمي، تحيات الرئيس القائد عيدروس بن قاسم الزُبيدي، رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي العربي، إلى المشاركات، مشيداً بالدور الذي أدته المرأة الجنوبية في مختلف المراحل، ومؤكداً الاعتزاز بإسهاماتها في مسيرة النضال الجنوبي.
واستعاد الحالمي محطات من التاريخ النضالي للمرأة، مشيراً إلى أنها ظلت حاضرة في مواجهة التحديات السياسية والاجتماعية، ولم تقتصر مساهمتها على المجال الأسري أو المجتمعي، وإنما امتدت إلى ميادين العمل الوطني والسياسي والنقابي والمدني.
ويكتسب هذا الدور أهمية أكبر في ظل الظروف التي شهدها الجنوب منذ حرب عام 1994م، وما رافقها، وفق الطرح الذي قدمه اللقاء، من سياسات استهدفت أبناء الجنوب وهويته ومكانته السياسية، وتعاملت معه باعتباره تابعاً، رغم امتلاكه تجربة دولة مستقلة ذات سيادة.
_ تمكين المرأة.. من الحضور المجتمعي إلى مواقع القرار
لا يتوقف مفهوم تمكين المرأة عند الاعتراف بدورها أو الإشادة بإسهاماتها، وإنما يرتبط بقدرتها على الوصول إلى مواقع التأثير وصناعة القرار.
وفي هذا السياق، جدد الحالمي التزام المجلس الانتقالي الجنوبي العربي بتعزيز مشاركة المرأة سياسياً، وإتاحة المجال أمامها للمشاركة في مختلف هيئات المجلس ومواقع صنع القرار، بما يعكس حضورها الحقيقي في المجتمع الجنوبي.
ويطرح هذا التوجه قضية تمكين المرأة باعتبارها جزءاً من عملية بناء المؤسسات، وليس مجرد ملف اجتماعي منفصل؛ فالمجتمع الذي يسعى إلى بناء مؤسساته وتطوير قدراته يحتاج إلى الاستفادة من طاقات النساء وخبراتهن، خصوصاً في المجالات السياسية والتنظيمية والإدارية والمجتمعية.
وأن تعزيز مشاركة المرأة يفتح المجال أمام إعداد قيادات نسوية جديدة قادرة على تحمل المسؤولية، والاستفادة من خبرات القيادات النسوية المخضرمة، وربط التجربة المتراكمة بالطموحات الجديدة للمرأة الجنوبية.
_ تدشين اللقاءات بالقطاع النسوي رسالة سياسية
من جانبه، ثمّن القائم بأعمال نائب الأمين العام، الدكتور خالد بامدهف، الحضور النسوي والمشاركة الفاعلة في اللقاء، موضحاً أن عقده يأتي ضمن خطة الأمانة العامة لتوسيع دائرة التواصل مع مختلف الشرائح والمكونات الجنوبية.
ويحمل اختيار القطاع النسوي لتدشين هذه اللقاءات دلالة واضحة على أهمية المرأة في الرؤية السياسية والمجتمعية للمجلس، باعتبارها قوة اجتماعية مؤثرة وشريكاً رئيسياً في بناء مجتمع حضاري تتاح فيه للمرأة فرص المشاركة الكاملة.
وأكد بامدهف أن اللقاء لا يستهدف عقد فعالية بروتوكولية فحسب، وإنما يمثل محاولة لتعزيز التواصل المباشر مع الشارع الجنوبي، والاستماع إلى قضاياه واحتياجاته وتطلعاته، بما يساعد على بناء رؤية أكثر ارتباطاً بالواقع الاجتماعي.
وأشار إلى أن المجلس، بحسب ما طرحه في اللقاء، استطاع تجاوز مراحل من الضغوط ومحاولات الإضعاف، مؤكداً أن المرأة الجنوبية كانت حاضرة في مواجهة مختلف التحديات، ولا سيما في مسار النضال السلمي.
_ نيران سوقي: الأولوية للتعرف على احتياجات المرأة
وتضمن اللقاء حضوراً نسوياً وسياسياً لافتاً، بمشاركة الأستاذ شكري باعلي، القائم بأعمال رئيس الهيئة السياسية، فيما رحبت رئيس هيئة المرأة والطفل، الأستاذة نيران سوقي، بالمشاركات، معبرة عن أهمية انعقاد هذا التجمع النسوي.
وأكدت سوقي حرص القيادة على إقامة مثل هذه اللقاءات، بهدف الاقتراب بصورة أكبر من واقع المرأة الجنوبية، والتعرف على احتياجاتها وقضاياها في المرحلة الراهنة، والعمل على تعزيز حضورها في مختلف المجالات.
وتكتسب هذه الرؤية أهمية خاصة في ظل تعدد الأدوار التي تؤديها المرأة الجنوبية، سواء داخل الأسرة أو في المؤسسات التعليمية والنقابية والمهنية ومنظمات المجتمع المدني والعمل السياسي، وهو ما يجعل الاستماع إلى احتياجاتها مدخلاً ضرورياً لتطوير السياسات والبرامج المرتبطة بها.
_ قضايا المرأة في مواجهة تحديات المرحلة
ناقشت المشاركات خلال اللقاء مجموعة من القضايا والتحديات التي تواجه المرأة الجنوبية، وطرحن رؤى ومقترحات بشأن تعزيز حضورها في العمل السياسي والمجتمعي.
وتكشف هذه المداخلات عن اتساع مساحة الاهتمام بقضايا المرأة، وعدم حصرها في الجانب الاجتماعي، إذ باتت المشاركة السياسية والتمثيل المؤسسي والوصول إلى مواقع صنع القرار من القضايا الأساسية التي تفرض نفسها على النقاش العام.
ويرتبط تمكين المرأة بالقدرة على توفير بيئة أكثر ملاءمة أمامها للمشاركة في الحياة العامة، وإزالة العوائق التي تحد من وصولها إلى مواقع القيادة، إلى جانب تطوير قدراتها وتأهيل القيادات الشابة والاستفادة من الخبرات النسوية المتراكمة.
_ العاصمة عدن مدينة دفعت ثمناً مضاعفاً
تطرق اللقاء كذلك إلى الأوضاع الخدمية والمعيشية الصعبة التي تشهدها العاصمة عدن، في ظل تراجع الخدمات وتفاقم الأعباء التي يتحملها المواطنون.
وأكد الحالمي أن عدن قدمت الكثير للجنوب، وظلت وجهة رئيسة لأبنائه، الأمر الذي جعلها، عرضة للاستهداف والمؤامرات.
وتنعكس الأوضاع الخدمية والمعيشية بصورة مباشرة على النساء، باعتبارهن في قلب الأسرة والمجتمع، ويتحملن جانباً كبيراً من آثار تدهور الخدمات وارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية، ما يجعل تحسين الظروف المعيشية والخدمية جزءاً من أي رؤية جادة لتمكين المرأة.
_ دعوة نسوية للمشاركة في إحياء ذكرى الجيش الجنوبي
حضر البعد الوطني في اللقاء من خلال دعوة الحالمي نساء الجنوب إلى المشاركة الفاعلة في المليونية المقرر تنظيمها في الأول من سبتمبر المقبل، بمناسبة الذكرى الخامسة والخمسين لتأسيس الجيش الجنوبي.
وتأتي الدعوة في إطار تقديم المناسبة باعتبارها محطة لاستحضار تجربة الجيش الجنوبي وما مثله من حضور في تاريخ الجنوب، في ظل محاولات استهدافه وتهميشه.
وتبرز مشاركة المرأة في هذه المناسبة، باعتبارها امتداداً لدورها في الحياة الوطنية، ورسالة تؤكد أن المرأة ليست منفصلة عن القضايا العامة التي تشغل المجتمع الجنوبي، بل حاضرة في مختلف محطاته السياسية والوطنية.
_ الخدمات والحريات قضايا تتصدر المشهد
لم تقتصر مخرجات اللقاء على قضايا المرأة بمعناها المباشر، بل امتدت إلى مجمل الظروف السياسية والمعيشية التي يعيشها المجتمع الجنوبي.
وأدان اللقاء سياسات التنكيل والاستبداد التي تمارسها سلطات الوصاية والاحتلال بحق شعب الجنوب، مشيراً إلى تدهور الخدمات والأوضاع المعيشية، إلى جانب التضييق على الحريات وتكميم الأفواه.
وقدم المشاركون هذه الملفات باعتبارها جزءاً من التحديات التي تؤثر في المجتمع بأكمله، وتنعكس بصورة خاصة على المرأة والأسرة، مؤكدين أن الضغوط المعيشية والخدمية والسياسية لا ينبغي أن تتحول إلى وسيلة لإبعاد المجتمع عن قضاياه وحقوقه.
_ شراكة تتجاوز الشعارات
يحمل اللقاء النسوي الذي دشنته الأمانة العامة دلالة تتجاوز حدود المناسبة نفسها، إذ يعكس توجهاً نحو توسيع دائرة الحوار مع المجتمع، ووضع قضايا المرأة ضمن الملفات المرتبطة ببناء المؤسسات وتعزيز المشاركة السياسية.
وتبقى قيمة هذا التوجه مرتبطة بمدى تحويل الالتزامات المعلنة إلى خطوات عملية، تبدأ بزيادة تمثيل المرأة في مواقع صنع القرار، وتطوير برامج التأهيل والتدريب، وإفساح المجال أمام القيادات النسوية الشابة، وتعزيز حضور المرأة في العمل السياسي والمدني والنقابي والتنظيمي.
فالمرأة الجنوبية تمتلك تجربة تاريخية وخبرة مجتمعية لا يمكن تجاوزها عند الحديث عن مستقبل الجنوب، وأن بناء مجتمع أكثر استقراراً وقدرة على مواجهة التحديات يتطلب إشراك نصف المجتمع في صناعة القرار وتحمل المسؤولية.
ومن هنا، يكتسب تدشين الأمانة العامة لقاءاتها بالقطاع النسوي أهمية خاصة؛ لأنه يفتح الباب أمام حوار أوسع حول دور المرأة ومكانتها واحتياجاتها، ويضع أمام المؤسسات السياسية مسؤولية الانتقال من مرحلة التأكيد على أهمية المرأة إلى مرحلة تمكينها الفعلي ومنحها المساحة التي تستحقها في مواقع التأثير والقرار.
_ المرأة الجنوبية شريك في صناعة المستقبل
يؤكد اللقاء في خلاصته أن المرأة الجنوبية لم تعد تنظر إلى دورها باعتباره حضوراً مكملاً في المشهد العام، وإنما باعتباره شراكة حقيقية في صناعة المستقبل.
وبين الإرث النضالي للمرأة، والتحديات الاجتماعية والاقتصادية الراهنة، والطموح نحو مشاركة سياسية أوسع، تتشكل أمام القطاع النسوي الجنوبي مسؤولية مضاعفة تتمثل في الحفاظ على الخبرة المتراكمة، وإعداد جيل جديد من القيادات، وتعزيز حضور المرأة في المؤسسات ومواقع القرار.
وإذا كان اللقاء قد فتح مساحة للاستماع إلى صوت المرأة وقضاياها، فإن المرحلة المقبلة تتطلب ترجمة ما طُرح من رؤى ومطالب إلى برامج وسياسات واضحة، بحيث تتحول المرأة من مجرد شريك يُحتفى بدوره إلى شريك كامل في صناعة القرار وبناء المجتمع والدولة والمؤسسات.