كتب / الناشط الحقوقي والإعلامي أسعد أبو الخطاب
لم يكن يناير 2026م، شهرًا عاديًا في المشهد اليمني، بل شهد واحدة من أكثر التحولات العسكرية والسياسية إثارة للجدل في جنوب وشرق البلاد؛ إذ تحولت العلاقة بين المملكة العربية السعودية والقوات التابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي من شراكة ميدانية في مواجهة الحوثيين إلى مواجهة عسكرية مباشرة في حضرموت والمهرة.
وبحسب تقارير متعددة، نفذت السعودية غارات جوية ضد مواقع تابعة للمجلس الانتقالي، بالتزامن مع تقدم قوات «درع الوطن» والقوات الموالية للحكومة وقوى قبلية ومحلية لاستعادة مواقع كانت القوات الجنوبية قد سيطرت عليها.
وهنا يبرز السؤال الذي لا يزال يفرض نفسه:
كيف أصبح الحليف الذي قاتل إلى جانب التحالف لسنوات هدفًا للطيران السعودي؟
من الشراكة إلى الصدام
القضية لا يمكن اختزالها في غارة جوية أو معركة عابرة.
فالقوات الجنوبية كانت جزءًا أساسيًا من المعادلة العسكرية المناهضة للحوثيين، بينما كانت السعودية والإمارات تدعمان قوى مختلفة داخل المعسكر نفسه.
لكن التنافس على النفوذ، وطبيعة المشروع السياسي للجنوب، والسيطرة على المناطق الشرقية الغنية بالنفط والمنافذ والمواقع الاستراتيجية، جعلت التحالفات أكثر تعقيدًا.
وتشير تحليلات مركز صنعاء للدراسات إلى أن القوات التابعة للمجلس الانتقالي أُخرجت من حضرموت والمهرة مطلع يناير بفعل الغارات السعودية والقوات المدعومة سعوديًا والقوى القبلية المحلية.
لماذا حضرموت والمهرة تحديدًا؟ هنا تكمن أهمية السؤال.
حضرموت ليست مجرد محافظة يمنية؛ فهي من أهم المناطق النفطية والاستراتيجية في البلاد، بينما تمثل المهرة منطقة حدودية ذات أهمية بالغة بالنسبة للسعودية وعُمان وبحر العرب.
ولهذا فإن التحرك السعودي يمكن قراءته، وفق تحليلات منشورة، باعتباره مرتبطًا بالأمن القومي السعودي وبالرغبة في منع قيام قوة عسكرية وسياسية مستقلة في شرق اليمن خارج نطاق النفوذ السعودي.
وقد نقلت الجزيرة عن باحث سعودي أن التحرك السعودي أوضح أن الرياض تنظر إلى المحافظات الشرقية، وخصوصًا حضرموت، باعتبارها مسألة مرتبطة بصورة مباشرة بأمنها القومي.
الغطاء الجوي وتقدم القوات البرية
لم تكن الغارات الجوية وحدها هي العامل الحاسم.
فالمشهد الذي ظهر في يناير جمع بين القصف الجوي السعودي، والتقدم البري لقوات مدعومة من السعودية، وتحركات قوى قبلية ومحلية.
وفي 2 يناير بدأت عملية عسكرية لاستعادة المواقع العسكرية من قوات المجلس الانتقالي، ثم شهدت المهرة اشتباكات بين قوات درع الوطن والقوات التابعة للانتقالي، بينما أعلنت القوات المدعومة سعوديًا لاحقًا السيطرة على مواقع واسعة في حضرموت والمهرة.
وهكذا وجد المقاتل الجنوبي نفسه أمام معادلة شديدة القسوة:
طيران من الجو، وقوات تتقدم من الأرض، وضغط قبلي ومحلي في الميدان.
وماذا عن الجنود الذين حاولوا الانسحاب؟
من أكثر الملفات حساسية ما يتردد حول تعرض بعض الجنود والضباط الذين حاولوا الانسحاب من مناطق القتال للقتل أو الأسر، إضافة إلى ادعاءات بتعرض بعض الأسرى لمعاملات مهينة.
هذه الروايات، إن ثبتت بالأدلة والشهادات المستقلة، لا يمكن التعامل معها باعتبارها تفصيلًا هامشيًا.
فالأسير، مهما كانت الجهة التي قاتل معها، يبقى إنسانًا له حقوق، ولا يجوز أن تتحول لحظة الهزيمة إلى فرصة للانتقام أو الإهانة.
أما الادعاءات المتعلقة بقتل أفراد أثناء محاولتهم الفرار من القصف أو بعد خروجهم من المعركة، فهي تحتاج إلى تحقيق ميداني مستقل يحدد ظروف كل حادثة وهوية المسؤولين عنها.
السؤال الأصعب: هل كان الخلاف على الحوثيين أم على الجنوب؟ هنا تكمن المفارقة الكبرى.
إذا كانت القوات الجنوبية والسعودية تقفان في المعسكر المناهض للحوثيين، فلماذا تحولت المواجهة بينهما إلى هذا المستوى؟
الإجابة المحتملة لا تتعلق بالحوثيين وحدهم، بل بمستقبل الجنوب نفسه، وبمن يملك القرار العسكري والأمني في المحافظات الشرقية، وبمن يسيطر على الثروة والموانئ والمنافذ والحدود.
فالمواجهة كشفت أن التحالف العسكري ضد الحوثيين لم يكن يعني بالضرورة اتفاقًا على شكل الدولة اليمنية أو مستقبل الجنوب.
الحليف الصادق.. أم الحليف المؤقت؟
ربما تكون هذه هي أكثر الأسئلة إيلامًا بالنسبة للجنوبيين.
فالمقاتل الذي اعتقد أن شراكته مع التحالف تقوم على مواجهة عدو مشترك وجد نفسه في لحظة معينة أمام طائرات الدولة التي كان يعتبرها حليفة.
وهنا لا بد من التمييز بين الحسابات السياسية للدول وبين تضحيات الجنود على الأرض.
الدول تتحرك وفق مصالحها وأمنها القومي وحساباتها الاستراتيجية، أما الجندي الذي يقف في الخندق فقد يدفع حياته ثمنًا لتحالفات لا يعرف تفاصيلها السياسية.
يناير 2026.. لحظة كشفت حقيقة التحالفات
أحداث حضرموت والمهرة كشفت أن التحالفات في اليمن ليست ثابتة، وأن الصديق العسكري اليوم قد يتحول إلى خصم غدًا إذا اختلفت المصالح السياسية والاستراتيجية.
والأخطر من ذلك أن الخلافات بين القوى الإقليمية والمحلية لا ينبغي أن يدفع ثمنها الجنود والأسرى وأبناء المناطق التي تتحول إلى ساحات للصراع.
ولهذا فإن ما حدث في يناير 2026 يستحق تحقيقًا شاملًا وشفافًا، لا يكتفي بتحديد من سيطر على الأرض، وإنما يجيب أيضًا عن الأسئلة المتعلقة بالغارات، وسقوط الضحايا، وأوضاع الأسرى، والجهات التي أصدرت الأوامر العسكرية.
فالتاريخ قد يسجل من انتصر في حضرموت والمهرة، لكنه سيبقى مطالبًا بالإجابة عن سؤال أكثر قسوة: لماذا تحوّل الحليف الذي قاتل سنوات إلى هدف للطيران؟