بقلم / عيدروس المدوري
بين الحين والآخر تطفو على السطح تصريحات نارية عن معركة الحسم في الشمال القابع تحت بطش المليشيات الحوثية وعن استعداد القوات المسلحة لخوض المعركة أو تتصدّر الشاشات مبادرات السلام والحلول السياسية غير أن الواقع المرير أثبت أن هذه الخطابات لا تتعدى كونها فقاعات هوائية تُطلق لتخدير الرأي العام فلن يُقدم التاجر بأي حال على إفساد تجارته بيده .
لقد تحول المشهد اليمني من قضية تحرير واستعادة وطن إلى منظومة متكاملة لما يُعرف بـ اقتصاد الحرب هذا الوضع المأساوي بكل ما يحمله من نكبات متتالية على كاهل المواطن استحال إلى بؤرة تربّح هائلة لمعظم مسؤولي الشرعية ومصدراً لحياة الرفاهية في العواصم الخارجيّة وهي رفاهية يدركون جغرافياً وسياسياً أنها ستتبدد فور عودة الدولة وسيادة القانون .
وتتجسد هذه المماطلة في أبهى صورها عندما يحاول هؤلاء المسئولون التغطية على فشلهم وتكسبهم بالاختباء خلف شماعة الضغوط الخارجية والتدخلات الدولية وهم بذلك يمارسون الهروب إلى الأمام متجاهلين أن الجميع يعلم كيف أُجهضت المعارك الفاصلة بيد من يتولون المشهد فالذاكرة الشعبية لن تنسى كيف كانت أقدام أبطال ألقوات المسلحة والقوات المشتركة (وفي مقدمتها ألقوات ألمرابطة من العمالقة والقوات ألميدانية) على أعتاب تحرير مدينة الحديدة ومينائها الذي يمثل شريان الحياة الاقتصادي والعسكري لمليشيا الحوثي ليأتي القرار الصادم بالانسحاب والتراجع لقد كان تحرير الحديدة كفيلاً بقطع رأس الأفعى وإنهاء الحرب لكنه كان سيعني أيضاً إسقاط الورقة التي يقتات عليها تجار الحروب الأزمات ففضّلوا بقاء المنفذ بيد الحوثي على أن تنتهي الحرب وينقطع تدفق الامتيازات .
تكمن الأزمة الحقيقية اليوم في عدة إشكاليات رئيسية :
1. غياب الإرادة وتضارب المصالح التحرير أو السلام العادل يتطلبان تضحيات وإدارة ميدانية وهو ما يتناقض كلياً مع عقلية استثمار الأزمات وتأمين الامتيازات المالية بالعملة الصعبة .
2. فجوة المعاناة الفجوة الهائلة بين مواطن يكتوي بتدهور العملة وانقطاع الخدمات وبين مسؤول يُدير الملفات من فنادق الشتات أوجدت حالة اغتراب كامل بين القيادة والشعب .
3. خدمة مجانية للخصم هذا الجمود والترهل لا يخدم سوى المليشيات الحوثية التي تستغل انشغال خصومها بتراكم الثروات لتكرس سلطتها القمعية وتغير هوية المجتمع في الشمال .
إن الحديث عن تحرير الأرض أو تحقيق السلام سيبقى مجرد أوهام ما لم تُهدم بنية تجارة الحرب . ولن يتأتى ذلك إلا بإلزام كافة القيادات بالعودة وإدارة المعركة من داخل التراب الوطني لتكون السلطة شريكاً حقيقياً في المعاناة لا مجرد مستثمر يخشى انتهاء الأزمة .