مقدمة عامة: طبيعة النزاع والتكييف المبدئي
يأتي قرار النيابة العامة رقم (9) لسنة 2026 بالقضاء بالحجز التحفظي الشامل على أموال وحسابات المجلس الانتقالي الجنوبي في سياق نزاع سيادي بامتياز، وليس ضمن سياق جنائي اعتيادي.حيث ينظر شعب الجنوب إلى هذا الإجراء باعتباره امتداداً لسياسات سلطة يصفها بالاحتلالية والفاقدة للمشروعية الشعبية على الأرض، والتي يمتلك ضدها حقاً تاريخياً وقانونياً في النضال لاستعادة دولته كاملة السيادة.
ومحاولة إضفاء غطاء قانوني محلي من قِبل سلطة مركزية متنازع عليها، لإقصاء كيان سياسي يحمل تفويضاً شعبياً مطلقاً عَمّدته "مليونية إعلان عدن التاريخي" والمليونيات والفعاليات الجماهيرية المتلاحقة التي جددت التفويض للمجلس الانتقالي مرارا، يُمثل استخداماً لأدوات العدالة كأداة حرب قانونية وسلطوية. ويهدف هذا الإجراء بوضوح إلى تجفيف منابع العمل المؤسسي لثني الشعب عن تطلعاته السيادية ومصادرة حقه في إدارة ثرواته ومقدراته الوطنية.
أولاً: حتمية حياد القضاء في النزاعات السيادية وحالات الاحتلال والنزاع المشترك
يشترط القانون الدولي في الأنظمة القضائية التي تنظر في قضايا ذات أبعاد سيادية أو ناتجة عن علاقات واقعية يصفها المحكومون بالاحتلال أو التبعية القسرية، أن تلتزم بأعلى درجات الحياد الاستقلالي المطلق.
1. مبادئ ميلانو الأساسية بشأن استقلال القضاء (الأمم المتحدة 1985): تنص المادة الأولى على أنه "تكفل الدولة استقلال القضاء وينص عليه الدستور أو قانون البلد. ومن واجب جميع المؤسسات الحكومية وغيرها من المؤسسات احترام ومراعاة استقلال القضاء". وتنص المادة السادسة على أن "تخول السلطة القضائية السيطرة على إيفاء الإجراءات القضائية بحقوق الأطراف وبضمان عدم إساءة استخدام هذه الإجراءات". و صدور قرار حجز مالي في ظل نزاع سيادي قائم يفتقر إلى شرط الحياد، ويحول القضاء من جهة إنصاف إلى ذراع سلطوية لتنفيذ أجندة طرف سياسي ضد طرف آخر.
2. اتفـاقية جنيف الرابعة (المواد 64 و67) والقانون الدولي الإنساني: حتى في أكثر حالات النزاع والسيطرة القانونية صرامة، يحظر القانون الدولي على السلطات القائمة بالسيطرة أو الحكومات المركزية المتنازع عليها استخدام المحاكم والقوانين الإجرائية لفرض عقوبات ذات طابع سياسي، أو إصدار تشريعات وقرارات نيابية وقضائية تُمليها اعتبارات الخصومة والدافع السياسي لإلغاء حقوق تمثيل الشعوب.
3. تجريد الشرعية القضائية في ظل صراع السيادات:
من المستقر عليه في فقه القانون الدولي العام أن الجهات القضائية التابعة لسلطة مركزية يرفضها مجتمع محلي ويناضل لطردها باعتبارها "سلطة احتلال غير شرعية"، لا تملك الولاية القانونية الأخلاقية أو الدولية لإصدار أحكام تصادر بموجبها الحقوق المالية أو المادية لممثلي هذا الشعب. فالمطالبة باستعادة الدولة تُلغي تلقائياً الاعتراف بوجوب خضوع المفوّضين شعبياً لمنظومة الخصم القضائية.
ثانياً: مبدأ حق تقرير المصير والسيادة الأصلية على الثروات:
تُجمع المواثيق الدولية على أن حقوق الشعوب في تقرير مصيرها وإدارة مواردها تعلو فوق القرارات الإجرائية الداخلية لأي سلطة حكومية:
1. العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (المادة الأولى المشتركة):
"لجميع الشعوب حق تقرير مصيرها بنفسها، وهي بمقتضى هذا الحق تملك حرية تحديد وضعها السياسي والسعي الحر لتحقيق نمائها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي. ولكل الشعوب، تحقيقاً لغاياتها الخاصة، التصرف الحر بثرواتها ومواردها الطبيعية... ولا يجوز في أي حال حرمان أي شعب من أسباب عيشه الخاصة".
وتجميد أرصدة المجلس الانتقالي الجنوبي المفوض بالتصرف في ثروات الجنوب وأمواله يُمثل مصادرة مباشرة لقدرة الشعب على ممارسة حقه الاقتصادي والسياسي الأساسي المحمي بهذه المادة القاطعة.
2. إعلان منح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة (قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 1514 لعام 1960):
يؤكد أن إخضاع الشعوب لاسترقاق أجنبي وسيطرتها واستغلالها يشكل إنكاراً لحقوق الإنسان الأساسية، ويتناقض مع ميثاق الأمم المتحدة. وبناءً عليه، فإن أي تدابير مالية أو قانونية تتخذها السلطة المركزية لعرقلة هذا التحرر أو معاقبة الكيان الممثل لشعب الجنوب مالياً تعتبر باطلة دولياً ولا ترتب أي أثر شرعي.
3. السوابق القضائية لمحكمة العدل الدولية: في رأيها الاستشاري بشأن "ناميبيا" (1971) ورأيها بشأن "الصحراء الغربية" (1975)، وقرارها في قضية "تيمور الشرقية" (1995)، أكدت محكمة العدل الدولية أن حق تقرير المصير هو حق لا يقبل التصرف وغير خاضع للتشريعات الداخلية للسلطة الإدارية أو المركزية. وأوضحت المحكمة أن السيادة على الموارد الطبيعية والثروات تظل ملكاً أصيلاً للشعب الخاضع للسيطرة أو المطالب بالاستقلال، ولا يحق للسلطة المتنازع معها تجميدها أو تجريم إدارتها وتصرف الممثلين الشرعيين فيها.
ثالثاً: تسييس العدالة الجنائية والانتهاكات الإجرائية الصارخة:
يحظر القانون الدولي لحقوق الإنسان توظيف اتهامات غسل الأموال وحماية المال العام بشكل كيدي لإفراغ العمل السياسي من مضمونه:
1. مبدأ قرينة البراءة وحظر العقوبات الاستباقية (المادة 14 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية): تنص على أن "كل متهم بجريمة يُعتبر بريئاً إلى أن يثبت جرمه قانوناً بحكم قطعي". بينما ان إقدام النيابة العامة على فرض "حجز شامل" و"حظر تصرف مالي مطلق" بموجب قرار اتهام أولي يستند إلى تقديرات جزافية من وكيل وزارة العدل دون محاكمة علنية، نزيهة، ومكتملة الشروط، يُعد انتهاكاً صارخاً لضمانات المحاكمة العادلة وعقوبة سياسية مغلفة بالقانون.
2. اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد:
رغم تأكيدها على حماية المال العام، إلا أنها تشترط في جميع موادها (وتحديداً المواد المتعلقة بالتدابير الاحترازية والتجميد) أن تتم الإجراءات في إطار من الشفافية المطلقة وبعيداً عن تصفية الحسابات السياسية أو التأثير على الاستقرار المعيشي للمجتمعات، وألا تُتخذ كذريعة لتقويض الكيانات التمثيلية الشعبية.
رابعاً: الآثار الإنسانية وجريمة العقاب الجماعي لشلل البنية المؤسسية والخدمية:
يتجاوز هذا القرار البعد الإداري المحض ليمس الحياة اليومية والدورة الاقتصادية والمؤسسية للشعب الجنوبي ككل، حيث يقف وراء هذه الحسابات والأرصدة التزامات وظيفية وحياتية لقطاع عريض من الشعب:
1. استهداف الكادر المؤسسي والعسكري والأمني: يمتلك المجلس الانتقالي الجنوبي كادراً مؤسسياً وسياسياً وإدارياً ضخماً يتكون من عشرات الآلاف من الموظفين والعاملين، إلى جانب قوات عسكرية وأمنية كبرى تضطلع بمهمة تثبيت الأمن ومكافحة الإرهاب؛ وتعتمد هذه الفئات الواسعة في استلام رواتبها ومستحقاتها الشهرية بانتظام على تلك الحسابات المصرفية. والحجز عليها يهدد بقطع أرزاق آلاف الأسر وينذر بكارثة معيشية وأمنية لا يمكن التنبؤ بتبعاتها.
2. تعطيل الموازنات التشغيلية والخدمات العامة: يترتب على القرار تجميد الموازنات التشغيلية للمؤسسات التمثيلية التابعة للمجلس، مما يؤدي إلى شلل تام في قدرتها على أداء مهامها، فضلاً عن توقف الخدمات الحيوية والإنسانية والإغاثية التي يضطلع المجلس بتقديمها للمواطنين في مختلف المحافظات لتلبية تطلعاتهم وتخفيف معاناتهم.
3. حظر العقاب الجماعي في المواثيق الدولية:
بناءً على ما تقدم، تمنع اتفاقيات جنيف وبروتوكولاتها الإضافية والإعلان العالمي لحقوق الإنسان (المادة 9 والمادة 17) اتخاذ تدابير مالية تؤدي إلى شلل الخدمات العامة، أو حرمان الأفراد والأسر من مستحقاتهم الرواتب، أو تجميد الأموال المخصصة للمشاريع الخدمية والإنسانية التي تديرها المؤسسات. وتجميد هذه الحسابات يقع مباشرة تحت طائلة "العقاب الجماعي المحظور" لأنه يتخذ من معيشة الموظف والجندي والمواطن العادي رهينة للضغط السياسي والعسكري.
4. المبادئ التوجيهية للمنظمات المالية والسياسية الدولية: تحظر أدبيات ومواثيق الأمم المتحدة والمنظمات المالية الدولية إقحام المصارف المركزية والبنوك التجارية في الصراعات السيادية والسياسية. اذ ان إلزام البنك المركزي بالتنفيذ القسري يحوله من مؤسسة نقدية مستقلة تحمي الاستقرار المالي إلى أداة لزعزعة السلم الاجتماعي والاقتصادي، مما يقوض الثقة الدولية في المنظومة المصرفية ككل.
خامساً: أبعاد القانون كأداة حرب سياسية على الصعيد الدولي:
إن الربط المباشر بين صدور القرار وإحاطة مندوب السلطة الشرعية في مجلس الأمن الدولي، ومطالبته بتحديث قوائم العقوبات تحت الفصل السابع، يكشف عن استراتيجية واضحة لاستخدام المنصات الأممية لشرعنة إجراءات محلية كيدية.
من منظور القانون الدولي العام، فإن مجلس الأمن الدولي معني بحفظ السلم والأمن الدوليين ودعم مسارات السلام، ولا يمكنه تبني قرارات حجز مالي أحادية تفتقر إلى النزاهة والمشروعية الشعبية على الأرض. ومحاولة توظيف البعد الدولي ضد المجلس الانتقالي الجنوبي تعد التفافاً على الاتفاقيات السياسية وشروط الشراكة، وتأكيداً علنياً على تسييس الملف القضائي ومحاولة فرض الهيمنة السياسية والاقتصادية عبر مسميات قانونية واهية.
ــ الخلاصة والتوصيات القانونية
بناءً على التكييف الحقوقي المنهجي المشدد، يخلص التقرير إلى الآتي:
1. بطلان القرار دولياً: يُعتبر قرار النيابة العامة بالحجز التحفظي الشامل قراراً فاقداً للمشروعية الدولية، لافتقاره لشرط حياد القضاء واستقلاليته في ظل نزاع سيادي مشهود، ولكنه أداة إقصاء سياسي وعقاب جماعي تخرق العهود والمواثيق الدولية وتستهدف معيشة مئات الآلاف من الكوادر المدنية والعسكرية.
2. دعوة القطاع المصرفي للتحييد: يتوجب على البنك المركزي اليمني والبنوك التجارية والمؤسسات المالية رفض الانصياع للقرارات المسيسة التي تؤدي إلى تضرر الاقتصاد المحلي وتجفيف الموارد الخدمية والرواتب للمواطنين، التزاماً بمسؤوليتها الأخلاقية والقانونية لحماية المجتمع من العقاب الجماعي والشلل المؤسسي.
3. التحرك الحقوقي الدولي: يُوصى برفع هذا التقرير كوثيقة قانونية مدعومة بالنصوص والمراجع المذكورة إلى المفوضية السامية لحقوق الإنسان، ومجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، واللجنة الدولية المعنية بالحقوق المدنية والسياسية، ومحكمة العدل الدولية (عبر الهيئات الاستشارية المتاحة)، لتوثيق إساءة استخدام المنظومة القضائية كأداة حرب سياسية واقتصادية ضد شعب الجنوب وحقه المشروع في تقرير مصيره واستعادة دولته.
صادر عن اللجنة الاستشارية للحقوق والحريات في مجلس المستشارين
في المجلس الانتقالي الجنوبي العربي.
عدن
17/6/2026