كتب/ فؤاد داؤد
التاريخ لا يرحم المتكئين على جدران الغير ، و الجغرافيا لا تحترم من يترك مفتاح داره في جيب جاره .. و منذ فجر الأمم ، كانت الحكمة تقول : " ما يحك لك إلا ظفرك " .. و اليوم نقولها بصوت يملأ الآفاق : لا تراهنوا على الحل من الخارج ، فالخارج له حساباته ، و أنتم لكم وطنكم .
إن الرهان الخاسر.. هو نتيجة حتمية لمن يتسول الحل من على أعتاب الآخرين ... فكم من شعب علّق مصيره على وعود السفارات ، فاستيقظ على خرائط ممزقة . و كم من وطن انتظر " المنقذ الأجنبي " ، فجاء المنقذ ليسرق ما تبقى من الخبز .. فالخارج ليس جمعية خيرية ، و لا منظمة إنسانية بلا أجندة .. الخارج مصالح تتصارع ، و أنياب تبتسم ، و موائد تُمد لا لتُشبعك ، بل لتُقيدك .
فاعلم علم اليقين ، و كن مدركٱ تمامٱ أن من يراهن على الحل من الخارج كمن يترك بيته يحترق ، و يقف على الرصيف ينتظر المطر ليطفئه .. ينسى أن النار في داره ، و الماء في بئره ، و اليد التي ستطفئها يجب أن تكون يده .
لهذا فأن ظفرك وحده من يحك جلدك ، لا شيئ سواه ، و هذه المسألة ليست عنصرية ، بل سنّة كونية .. إذ أنه لا أحد يشعر بألمك كما تشعر أنت .. و لا لا أحد يبكي على أطفالك كما تبكي أمهم ، و لا أحد يحرص على ترابك كما يحرص عليه من دُفن أجداده فيه .
إن الحلول المستوردة تأتي بمقاس الآخرين لا تأتي ألا بلغتهم ، و على هواهم ، و تخدم مشروعهم أولًا . فإن تعارضت مصلحتك مع مصلحتهم ، رموا بك و بقضيتك في أول سلة مهملات سياسية .. فالعالم لا يحترم الضعيف الذي يشكو ، بل يحترم القوي الذي يصنع حله بيده .
و من هذا المنطلق يتضح لنا جليٱ أن الوطن لا يُبنى بالوكالة .. و السيادة لا تُستأجر . فيا أيها المراهنون على العواصم البعيدة تذكروا أن الاستقلال لا يُمنح ، بل يُنتزع . و أن الكرامة لا تُستورد في حقائب دبلوماسية ، بل تُزرع في الأرض بعرق الرجال . و أن السيادة ليست قرارًا يوقعه مبعوث أممي ، بل إرادة شعب يقرر أن يحكم نفسه بنفسه .
هذه هي الحقيقة الأكيدة التي يجب أن نؤمن بها ، فلنكن موقنين أن من سلّم مفاتيح داره للغير ، نام في العراء .. و من فوض غيره ليتكلم باسمه ، خسر صوته إلى الأبد .. فالتاريخ علمنا : أن كل وصاية أجنبية بدأت بـ " مساعدة " ، و انتهت بـ " احتلال " .. و كل تدخل خارجي بدأ بـ " إنقاذ " ، و انتهى بـ " تقسيم " .
إن الميدان هو الحل .. و الشعب هو الظفر ، باعتبار أن الحل ليس في دهاليز المؤتمرات التي تُطبخ فيها خرائطنا على نار المصالح .. الحل ليس في فنادق العواصم حيث يُباع الوطن بالتقسيط .. الحل هنا .. في هذا التراب .. في الميدان ، في المصنع ، في المدرسة ، في الجبهة ، في يد الفلاح الذي يحرث ، و الجندي الذي يحرس ، و المعلم الذي يربي ، و المواطن الذي يرفض أن يكون متفرجًا .
فحين نتوحد ، نصبح ظفرًٱ يحك الوطن و يحميه .. حين نتصالح، نصبح يدًا تبني و لا تهدم .. حين نؤمن أن لا أحد سيبني بيتنا غيرنا ، سنبدأ بوضع أول حجر .
فيا من تنتظرون الحل من وراء البحار ، البحر لن يرسل لكم إلا الملح . و يا من تعلقون آمالكم على طائرات الغرباء .. الطائرات لا تحمل إلا بضاعتها .. فعودوا إلى أنفسكم .. حكوا جلدكم بظفركم .. اغسلوا وجه الوطن بأيديكم .
إن الأمم التي نهضت ، نهضت على أكتاف أبنائها .. و الأوطان التي تحررت ، حررها أبناؤها ، و الشعوب التي انتصرت ، لم تنتظر " مبعوثًا "، بل صنعت " قائدًا " من بين صفوفها .
فلنكسر معٱ صنم الخارج ، و لنعبد معٱ تراب الداخل .. كفى رهانًا على السراب. . كفى تسولًا للحلول على أبواب لا تفتح إلا لمصالحها .. فما يحك لك إلا ظفرك ، و ما يبني وطنك إلا ساعدك ، و ما يحمي دارك إلا سيفك .
العالم يحترم من يحترم نفسه .. و الخارج سيحسب لك ألف حساب ، يوم يراك واقفًا على قدميك ، لا جاثيًا على ركبتيك . يوم يراك تصنع خبزك بيدك ، لا تمد يدك لفتاته .
فانهضوا .. فالظفر في يدكم ، و الجلد جلدكم ، و الوطن وطنكم . و من لم يحك جلده بظفره ، حكته أظافر الغرباء حتى أدمته .
لا تنتظروا المنقذ .. كونوا أنتم المنقذون .