كتب / الصحفي الأردني محمد سبتي
تمرّ اليوم الذكرى الخامسة عشرة لما بات يُعرف في الوجدان اليمني بـ "النكبة الوطنية"، تلك المحطة التي انطلقت تحت لافتة "التغيير" في (11 فبراير) 2011، لكنّها سرعان ما وقعت في فخّ الاستلاب المنظم من قبل تنظيم الإخوان المسلمين (حزب الإصلاح).
فبينما كان الشباب يحلمون بدولة المؤسسات، كانت الآلة الإخوانية ترسم مسارات "ركوب الموجة" ببراعة، محوّلةً الساحات من فضاءات للطموح إلى "غرف عمليات" للانقضاض على السيادة اليمنية وتمزيق نسيجها الوطني.
وقد أثبت عقد ونصف من الزمن أنّ عبث الإخوان بالدين، واستخدامه أداة سياسية لتأجيج الفتن، لم يورث اليمنيين سوى الانهيار الاقتصادي، والشتات الاجتماعي، وضياع الهوية، في أكبر عملية "سطو سياسي" شهدها التاريخ اليمني المعاصر.
الإخوان يركبون الموجة
يجمع محللون ومراقبون على أنّ التدخل المباشر لتنظيم الإخوان المسلمين (حزب الإصلاح) في الاحتجاجات الشبابية آنذاك لم يكن لدعم التغيير المنشود، بل كان انقضاضاً منظماً "ركب الموجة" ليحوّل مسارها من طموح شبابي إلى مشروع سلطوي ضيق، أفضى في نهاية المطاف إلى انهيار مؤسسات الدولة وتسليم مقدراتها للميليشيات المتطرفة.
ولم تكن بدايات (فبراير 2011) إخوانية، لكنّ التنظيم سرعان ما دفع بآلته التنظيمية والمالية للسيطرة على "ساحات التغيير". وبحسب المحلل السياسي علاء عادل حنش في تصريح صحفي لـ (العين الإخبارية)، فإنّ مسار هذه الأحداث انحرف كليّاً بعد أن ركب حزب الإصلاح بقيادة شخصيات مثل توكل كرمان الموجة، لتتحول من "ثورة شبابية" إلى "ثورة إخوانية بحتة".
هذا الاستحواذ لم يكن عفوياً، بل اعتمد على استراتيجية "الإقصاء الممنهج" للشباب المستقلين، وتحويل طموحاتهم إلى وقود لصراعات سياسية. ويؤكد المحلل السياسي رياض منصور في تصريح صحفي أنّ (11 فبراير) مثّل نقطة تحول خطيرة فتحت أبواب الفوضى ومزقت مؤسسات الدولة، وشرعنت التدخلات الخارجية التي أدخلت البلاد في نفق مظلم.
التحالف المسموم مع الحوثيين
يكشف الواقع التاريخي أنّ الإخوان قدّموا "خدمة العمر" لميليشيا الحوثي؛ فداخل الساحات حدث "تزاوج" بين الطرفين. وكان الإخوان أوّل من دعا الميليشيات القادمة من صعدة إلى الانخراط في الاحتجاجات بقلب صنعاء لإسقاط نظام الرئيس الراحل علي عبد الله صالح.
هذا "التحالف المسموم" سمح للحوثيين بالتغلغل في مفاصل العاصمة ومعرفة هياكل الدولة عن قرب، ممّا مهد الطريق لانقلابهم المشؤوم في عام 2014.
ويشير الناشط فهمي نعمان إلى أنّ الساحات تحولت إلى "غرف عمليات متقدمة للحوثيين"، حيث استغل الإخوان الخطاب الديني لتأجيج المشاعر، بينما كان الحوثيون يُمهّدون طريقهم نحو السلطة على أنقاض الدولة المنهارة.
استغلال الدين كأداة سياسية
استخدم تنظيم الإخوان الدين كسلاح لتشويه الخصوم وتبرير الفوضى. ووفقاً لتقارير نشرتها وكالات يمنية، وصل الأمر ببعض رجال الدين التابعين للتنظيم إلى ادعاء "الاختيار الإلهي" للساحات لإضفاء قدّسية على تحركاتهم السياسية.
هذا الاستغلال لم يُراعِ تبعات الكارثة الإنسانية التي تلت ذلك، بل ركز فقط على تمكين وجوه التنظيم مثل حميد الأحمر وعلي محسن الأحمر من ترتيبات تقاسم السلطة في المرحلة الانتقالية.
وفي ردٍّ على محاولات الإخوان المستمرة لرمي فشلهم على "شماعة" النظام السابق، دعا الزعيم القبلي صالح أبو عوجاء الإخوان إلى التوقف عن "مسلسل الكذب"، مؤكداً أنّهم هم المشكلة لعدم امتلاكهم رؤية لبناء دولة، بل مجرد "ميليشيات وشعارات".
العودة إلى المشهد والسيطرة على الحكومة
رغم سنوات الخراب، يرى الخبراء أنّ "مهندسي النكبة" يحاولون العودة اليوم من بوابة الشرعية. ويشير الباحث صالح أبو عوذل إلى أنّ خطر الإخوان لا يكمن فقط في سيطرتهم على 7 حقائب وزارية أخيراً، بل في تغلغلهم في القرار السياسي والدبلوماسي والعسكري منذ 2011.
من جانبه، يوضح الباحث صالح باراس أنّ الإخوان لم يتأثروا مالياً أو تنظيمياً بالحرب، بل قاموا بنهب الدعم العسكري والمالي باسم الشرعية والسيطرة على العمل الإغاثي عبر منظماته، وبناء شبكة أخطبوطية إقليمية ودولية تدعم بقاءهم.
إنّ حصاد 15 عاماً من "نكبة فبراير" يضع اليمنيين أمام حقيقة واحدة، هي أنّ مشروع الإخوان المسلمين كان الجسر الذي عبرت عليه الفوضى والميليشيات. وتظلّ الدعوات قائمة لضرورة وعي وطني جديد يرفض تكرار هذه التجارب الفاشلة ويضع مصلحة الشعب فوق المتاجرة بالثورات