بقلم: أ.د. علي مهدي العلوي بارحمة
الجيوبوليتك: هو علم من علوم السياسة والاقتصاد يدرس تأثير الموقع الجغرافي والموارد الطبيعية على السياسات الدولية والعلاقات بين الدول. ويركز على كيفية استخدام الدول لموقعها الاستراتيجي وثرواتها لتحقيق النفوذ والهيمنة أو حماية مصالحها.
حالتنا في دولة الجنوب العربي كواقع حتمي لاستعادة الدولة الجنوبية بحدودها في بداية مايو 1990م، وحدوده الدولية الممتدة غربا وجنوبا من جيبوتي، وإريتريا، والصومال، مشُكلة بحراً إقليمياً وفق احكام معاهدتي القانون البحري (1982) ومعاهدة المياه الإقليمية (1958) يمتد12 كم، وإلى 22 كم، ومنطقة متاخمة تمتد 44 كم، بالإضافة إلى منطقة اقتصادية خالصة تمتد حوالي 200 ميلا بحرياً، وجرف قاري يمتد أيضاً 370 كم أيّ وصولاً إلى الحافة القاريّة. وسهول ساحلية من أقصى حدودها من الساحل الغربي وحتى أقصى الشرق عند الحدود العمانية بمسافة تقدر حوالي 1300كم من رأس الشيخ سعد على ضواحي باب المندب غربا وحتى رأس ضربة عند خط التماس الحدودي لسلطنة عمان. ومن الشمال المملكة العربية السعودية والمحافظات الشمالية من الجمهورية اليمنية.
وبين جهاتها الاصلية سيادة بحرية هام للغاية على بحر العرب، والبحر الأحمر وحقها الطبيعي لباب المندب. ومخزون من الموارد الطبيعية بمختلف مكونتها ومنها المعادن النادرة تمنح لدولة الجنوب العربي وزناً مضاعفاً في الحسابات الدولية.
ولذلك نجدها بشكل طبيعي مفتاح للقوة والسيطرة وتتحكم عملياً في جزء كبير من حركة التجارة الدولية، وهو ما يجعل الجنوب العربي محط أنظار القوى الكبرى.
وفي كل الأحوال، فإن جيوبوليتيكية الجنوب العربي تكسبه أهمية عالمية بامتياز، تجعل من أي تطور داخلي فيه حدثاً يتردد صداه في العواصم الكبرى حول العالم.
النضال الشعبي والاعتصامات في ساحات المحافظات الثمان اعتصامات ومظاهرات واسعة تطالب بإعلان دولة الجنوب العربي المستقلة، لم تأتي من فراغ او رغبة من أي مكون سياسي في المنطقة، رغبة جامحة وجادة من عام 1994م. ورافقها نضال شعبي وسياسي، وتمخض عنها مجموعة من المكونات السياسية والاجتماعية، ومن اهمها المكون المجلس الانتقالي الجنوبي الذي اعتبر استعادة الدولة الجنوبية اهم استراتيجياته. وظل الى جانب الشعب يخوض نضال بوتيرة عالية جدا على الصعيد الداخلي والإقليمي والدولي. وما ان نضجت الظروف الموضوعية والذاتية، وتلبية للمطالبات الشعبية بفك الارتباط واستعادة الدولة الجنوبية، اتخذ الإجراءات العسكرية لتصفية التواجد للمنطقة العسكرية الأولى في مديرية سيئون محافظة حضرموت واجزأ من محافظة المهرة وشبوة، والتي كانت تشكل بؤرة حاضنة بامتياز للإرهاب المنظم مثل للقاعدة وداعش، وتهريب خدمات لوجستية لأنصار الله (الحوثيين). وانهاء وتحرر أي تواجد لقوة العسكرية ترمز الى الوحدة المنقرضة عملياً. وفي الحقيقة ان تطهير ارض الجنوب العربي لا يتطلب ترخيصاً من أي جهة كانت. والامر الذي لا شك فيه جاءت تلك الخطوة العسكرية نتيجة حتمية لتحركات الشعبية تعكس رغبة جماهيرية في استعادة الهوية السياسية بعد عقود من الصراع في إطار وحدة لم تجلب لشعب الجنوب العربي سو البؤس والشقاء المفرط والعوز والفاقة والتهميش السياسي. واليوم انقرضت الوحدة اليمنية ومعها قاب قوسين من الانقراض ما عرف بالشرعية ومجلسها الرئاسي القيادي المفروض من دول التحالف العربي بقيادة المملكة السعودية.
اصبح اليوم المجلس الانتقالي الجنوبي يفرض سيطرة عسكرية على كل المحافظات الجنوبية والشرقية يُعتبر القوة السياسية والعسكرية الأبرز في هذا المسار.
المملكة العربية السعودية تعترض على توسع المجلس الانتقالي في حضرموت والمهرة، وتدخلت عسكريا بقصف قواته لإجبارها على الانسحاب. ومن المحتمل ان تنشب حرب إقليمية لتحقيق حلم المملكة السعودية في بسط سيطرتها على المحافظتين الشرقية: حضرموت والمهرة وسقطرى وجزء من محافظة شبوة. وفي حالت تمكنها من دحر قوات المجلس الانتقالي عسكريا في ظل تخلي المباشر لدولة الامارات العربية عن دعمها له. السعودية ستعمل على لاستبدال هذه القوات بـقوات درع الوطن التي أُنشئت من اليمنيين وفق اتفاق الرياض وتعمل تحت إشراف مجلس القيادة الرئاسي المنتهية صلاحية بعد انقسامه متخذه من ذلك الانقسام بواسطة رئيس المجلس رشاد العليمي حصان طروادة. وسوف تفضي المفاوضات لأنهاء الحرب الى انشاء دولة حضرموت المستقلة. ويستقل المجلس الانتقالي بدولة تضم جزء من شبوة وبقية المحافظات الغربية.
ومع كل ذلك ستنتهي الحرب ضد أنصار الله الذي سيقف متفرجا لمسرح الحداث الجديدة متربصا لاستكمال دولته وبسط سيطرته على ما تبقى منها.
ووفق هذه النتيجة المحتملة تتقوض جيوبوليتيكية الجنوب العربي موزعة على الدودتين الوليدتين بعملية قيصرية بعد تعسر.
الخلاصة
الجنوب العربي اليوم يقف عند مفترق طرق:
- إما أن ينجح في تحويل موقعه وثرواته إلى ورقة قوة لبناء دولة مستقلة،
- أو أن يبقى ساحة صراع إقليمي ودولي تتنازعها القوى المختلفة وينتهي عن تقسيمه الى دولتين مستقلتين تتمتعان بعضوية مجلس التعاون الخليجي العربي.
- تمكن أنصار الله من استعادة كحافظة مارب والساحل الغربي واستعادة الجمهورية العربية اليمنية.
2 يناير 2026م