في يوم الخميس ٢٨ أغسطس ٢٠٢٥م، ودّعت حضرموت واليمن واحدًا من أبرز قادتها العسكريين والسياسيين، العميد الركن سالم عمر باشادي، الذي غادرنا إلى دار الخلود، ملتحقًا بركب القادة العظام الذين سطروا بدمائهم وأعمالهم تاريخًا خالدًا لا يُمحى. لقد كان الفقيد مدرسة في الانضباط والإخلاص والوفاء، ورمزًا للنضال والعطاء لأكثر من خمسة عقود ونصف.
بدايات نضالية وروح رياضية
منذ صباه، برز الفقيد شابًا فاعلًا في مجتمعه، وركنًا رياضيًا أصيلًا في نادي الشعب الرياضي بالمكلا، حيث جمع بين روح الرياضة والالتزام بالمسؤولية المجتمعية. ومع بزوغ فجر الاستقلال، التحق بصفوف الضباط السريين في الجبهة القومية، مشاركًا في العمل النضالي من أجل الحرية، قبل أن يواصل رسالته في صفوف الشرطة والقوات المسلحة، متفانيًا في خدمته العسكرية لما يزيد عن ٥٥ عامًا متواصلة.
قائد ميداني فذ
عرفت الفقيد منذ الثمانينات، حين قادتني مهامي بلجنة التفتيش إلى لواء مدرم المتمركز في كرش. ورغم صعوبة الظروف هناك، برز القائد باشادي بصلابته وبإجماع ضباطه وأفراده على احترامه وحبه وهذا ما رأيته أثناء زيارتنا لهم، حتى قاد بطارية المدفعية إلى تحقيق المرتبة الأولى في نتائج التفتيش.
تدرج بعدها في مناصب قيادية عليا ضمن سلاح المدفعية والصواريخ، الذي جمعني به رفيقاً للمهنة والسلاح، فكان حاضرًا بقوة في كل التفاصيل، من الميدان إلى ميادين الرياضة والأنشطة اليومية مع الجنود، مشرفًا على تدريبهم ومعيشتهم وراحتهم بروح القائد المُلهم والأخ الأكبر.
رفيق دراسة ورفيق درب
في الأكاديمية العسكرية، تميز بروحه التعاونية ووقوفه الدائم إلى جانب زملائه، مرحبًا بكل دفعة جديدة من الضباط، موجّهًا ومرشدًا، وكأنه خُلق ليكون أبًا وقائدًا في آن واحد. لم يكن مجرد زميل دراسة، بل كان مثالًا للوفاء والإيثار.
الحضور السياسي والوطني
لم يقتصر دور باشادي على القيادة العسكرية، بل كان له حضور سياسي مؤثر وروح وطنية نضالية عالية. وبعد تحرير حضرموت، كان أول الضباط القدامى الذين لبّوا النداء، وحضروا إلى قيادة المنطقة العسكرية الثانية معلنين استعدادهم لخدمة الوطن. وقد عيّناه آنذاك مستشارًا عسكريًا لقائد المنطقة العسكرية الثانية، وتميز بين أقرانه برؤاه الجريئة ومتابعته المثابرة، فكانت مقترحاته دائمًا ذات قيمة عالية تُؤخذ لدينا بعين الاعتبار وتُترجم إلى قرارات عملية.
آخر لقاء ووداع مؤلم
كان قدري أن أجري معه آخر اتصال وهو طريح الفراش بالمستشفى للاطمئنان على صحته. ورغم المرض، كانت معنوياته شامخة، وإيمانه أقوى من الألم، لكن مشيئة الله فوق كل إرادة.
إرث خالد ووفاء واجب
رحل (أبا عادل)، تاركًا سيرة عطرة وإرثًا خالدًا سيبقى محفورًا في وجدان كل من عرفه أو عمل معه من القادة والضباط والصف والجنود. كان يستحق التكريم والترقية في حياته، لكن يبقى أعظم وسام له هو حب الناس واحترام رفاق السلاح ووفاء الأجيال.
رحمك الله أيها القائد النبيل، وأسكنك الفردوس الأعلى مع الشهداء والصالحين، وجعل ذكرك خالدًا بين الرجال العظام الذين لا يموتون بغياب أجسادهم، بل تظل أرواحهم تنير درب الوطن.
إنّا لله وإنّا إليه راجعون.
اللواء الركن فرج سالمين البحسني
عضو مجلس القيادة الرئاسي