أعلنت وزارة الدفاع السعودية انعقاد الاجتماع التخطيطي الثالث للتحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات (MMDC) في قيادة الأسطول الغربي بمدينة جدة، بمشاركة ممثلين عن 39 دولة شقيقة وصديقة، في خطوة تعكس اتساع نطاق التنسيق الدولي في المجال البحري، وتثير في الوقت ذاته تساؤلات حقوقية حول مدى اقتران هذه الترتيبات الأمنية بحماية المدنيين، واحترام القانون الدولي، وضمان أمن الملاحة دون المساس بحقوق الشعوب وسيادة الدول.
لكن هذا المشروع، مهما اتسعت دائرة المشاركين فيه، يواجه سؤالًا سياسيًا لا يمكن تجاهله من وجهة النظر الجنوبية:
كيف يمكن بناء تحالفات أمنية جديدة، بينما لا تزال أحداث يناير 2026م حاضرة في ذاكرة حليف تقول قياداته وقواعده إنها تعرضت للاستهداف؟
يناير 2026م .. جرح في ذاكرة الجنوب:
في الخطاب الجنوبي، توصف أحداث يناير 2026م بأنها لحظة صدام مؤلمة مع المملكة، مع اتهامات المملكة العربية السعودية بتنفيذ ضربات بالطيران الحربي في محافظتي حضرموت والمهرة استهدفت قوات جنوبية.
ويرى الجنوبيين أن ما حدث كان استخدامًا لقوة جوية متفوقة ضد قوات كانت تملك، بحسب روايتهم، قدرات تسليحية محدودة، وأن ذلك مثل ـ من وجهة نظرهم ـ اختلالًا صارخًا في ميزان القوة بين طرفين يفترض أنهما في دائرة التحالف.
وهنا تبرز ضرورة التمييز بين الرواية السياسية والوقائع المثبتة؛ فالاتهامات المتعلقة بشرعية أي عمليات عسكرية تحتاج إلى أدلة وتحقيقات مستقلة تحدد طبيعة الأهداف والظروف والأساس القانوني للعمليات.
التحالف لا يبنى بالأرقام وحدها:
قد يكون جمع 39 دولة في جدة إنجازًا دبلوماسيًا مهمًا، لكن قوة أي تحالف لا تقاس بعدد أعلام الدول المشاركة في الاجتماعات.
القوة الحقيقية تبدأ عندما تتوافر الثقة، والوضوح، وقواعد مشتركة، وضمانات بعدم استخدام القوة ضد الشركاء إلا وفق القانون والاتفاقات المعلنة.
ومن هنا، فإن معالجة الخلافات السابقة مع الجنوبيين قد تكون أكثر أهمية من إضافة دولة جديدة إلى قائمة المشاركين.
الاعتذار.. خطوة نحو ترميم الثقة:
بالنسبة إلى الخطاب الجنوبي، فإن الاعتذار السعودي عن أحداث يناير 2026م، يثبت مسؤولية المملكة العربية السعودية.
فالاعتذار ليس بالضرورة ضعفًا؛ بل قد يكون، في بعض الحالات، أداة لاستعادة الثقة وإعادة بناء علاقة سياسية أكثر استقرارًا.
أما تجاهل الجرح، فقد يبقي الأزمة مفتوحة مهما اتسعت التحالفات الجديدة.
عندما يتحول الحليف إلى خصم:
الأكثر حساسية في الرواية الجنوبية هو أن العلاقة لم تكن، وفق هذا الخطاب، علاقة خصومة تقليدية، بل علاقة تحالف وشراكة في مواجهة تهديدات أمنية وإرهابية.
ولهذا يرى منتقدون سعوديون وجنوبيون أن محاولة الضغط على القوى الجنوبية أو ملاحقة قياداتها، تطرح سؤالًا أكبر من مجرد الخلاف السياسي:
هل تستطيع الدول بناء تحالفات إقليمية بينما تختلف مع القوى التي قريبة من حدودها يفترض أن تكون شريكًا في الأمن والاستقرار؟
هذه المسألة تحتاج إلى معالجة سياسية لا عسكرية، وإلى حوار مباشر يحدد المصالح المتبادلة ويمنع تكرار الصدام.
حضرموت والمهرة.. أهمية تتجاوز الحدود:
لا يمكن النظر إلى حضرموت والمهرة بمعزل عن أمن البحر العربي وخليج عدن والممرات البحرية الإقليمية.
فأي مشروع للأمن البحري يحتاج إلى بيئة مستقرة على الساحل، وإلى تعاون حقيقي مع القوى الجنوبية، وإلى احترام مصالح السكان والمكونات السياسية والاجتماعية في المناطق الساحلية.
ولهذا فإن بناء الثقة مع الجنوب يمكن أن يكون جزءًا من المعادلة الأمنية نفسها، وليس مجرد ملف سياسي منفصل عنها.
مطاردة القيادات الجنوبية.. أزمة ثقة أخرى:
أما الاتهامات المتعلقة بمحاولات الضغط على القيادات الجنوبية أو ملاحقتها، فإنها ستزيد من صعوبة إعادة بناء الثقة.
فالتحالفات الحقيقية لا تقوم على فرض الإرادة بالقوة، وإنما على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل والحوار.
وإذا كانت الرياض تريد شراكة طويلة الأمد، فإن أفضل طريق لذلك هو الانتقال من منطق الضغط والمواجهة إلى منطق الحوار والضمانات السياسية.
39 دولة لا تكفي وحدها:
قد تنجح السعودية في جمع 39 دولة حول مشروع بحري دفاعي، لكن نجاح التحالف على الأرض سيحتاج إلى ما هو أبعد من البيانات والاجتماعات:
ثقة الحلفاء، احترام القانون، وضوح قواعد الاشتباك، حماية الشركاء المحليين، ومعالجة الملفات التي خلقت أزمات سابقة.
ومن هذا المنطلق، فإن فتح ملف يناير 2026م بشفافية، والتحقيق في الاتهامات المتبادلة، وتقديم اعتذار الجنوبيين، يمكن أن يشكل رسالة سياسية قوية بأن الرياض تريد بناء تحالفات جديدة على أساس مختلف.
الخلاصة:
قد تستطيع المملكة العربية السعودية جمع 39 دولة في جدة، لكنها لن تستطيع جمع القلوب حول تحالف واحد ما لم تعالج جراح الحلفاء الجنوبيين أولًا.
فالجنوب لا يطلب المستحيل؛ بل يطالب بتفسير لما حدث، ومحاسبة من تثبت مسؤوليته، واعتذار ممن يثبت خطؤه، وضمانات تمنع تكرار ما حدث.
فالتحالفات تبنى بالسفن والطائرات، لكنها لا تستمر إلا بالثقة.