بقلم: محمد علي محمد أحمد
تعاني الحركات النقابية في دول النزاعات الداخلية، ولا سيما في البيئة المعقدة للشمال والجنوب (وملف المحافظات الجنوبية على وجه الخصوص)، من أزمة وجودية حقيقية تهدد بالاضمحلال التام لدورها التاريخي العريق.
فلم يعد الصراع هنا محصوراً في الإطارات السياسية والعسكرية الكبرى فحسب، بل امتد ليتغلغل في جوهر العمل الحقوقي والعمالي، محولاً إياه إلى أداة لخدمة التجاذبات السياسية، على حساب الكادحين الذين باتت حقوقهم عرضة للتهميش والإهمال الممنهج.
وتكمن المشكلة الجوهرية التي تواجهها الحركة النقابية في التدخل الصارخ بمقرات وشرعية الاتحادات الفرعية في المحافظات من قبل محافظيها، وفي آلية الاعتراف والتصريح القانوني الصادر عن وزارة الشؤون الاجتماعية،وبحكم أن أي وزارة حكومية ترتبط حتماً بقرار وسلطة الحكومة القائمة، فإنها تخضع بالضرورة لتوجهاتها السياسية.
هذا الارتباط العضوي جعل شرعية الاتحاد العام للنقابات والعمل النقابي برمته مرهوناً بموافقة الحكومة وتوجيهاتها وتوجهاتها الأيديولوجية والسياسية، لا بمدى تمثيل النقابة الحقيقي للعمال وحرصها على انتزاع حقوقهم.
وتتجلى مأساة هذا التقييد بوضوح في سيناريو متكرر يعصف بالاستقرار النقابي، وذلك بإقصاء الكفاءات المنتخبة، فعندما يصل إلى سدة الاتحاد أعضاء منتخبون بقرار عمالي حر، لكنهم لا يتماهون مع التوجه السياسي للحكومة القائمة، تبادر الأخيرة عبر وزارة الشؤون الاجتماعية بعرقلة سير عمل الاتحاد، وحجب التسهيلات اللازمة عنه، وفرض تشكيلات بديلة تتوافق مع أجندتها السياسية، وتمكينها من مقاليد الاتحاد العام للنقابات والمجالس النقابية والمهنية (خصوصاً في المرافق السيادية والإيرادية الحيوية بقطاعيها العام والخاص).
ومع تبدّل الحكومات وتغيّر التحالفات، تأتي حكومة جديدة تتقاطع سياستها مع النقابات السابقة لتعيد تمكينها على حساب المجموعات الموالية للحكومة السابقة، وهكذا دواليك، وتلك الدوامة المفرغة ستؤدي إلى إفراغ النقابات من مضمونها القانوني ودورها المستقل، لتتحول من حصن منيع للدفاع عن العمال، إلى واجهة شكلية تخدم الصراعات السياسية الضيقة، متسببة في تدهور مريع بالأوضاع المعيشية للعمال وتفاقم معاناتهم الحقوقية، في ظل غياب وضعف الحاضنة النقابية الشرعية والقانونية.
فما الحل والمخرج المنشود لرفع الوصاية وتحقيق الاستقلالية؟
إن إنقاذ الحركة النقابية وإعادة الاعتبار للحقوق العمالية يتطلب شجاعة سياسية وإدارية لوضع حد جذري لهذا العبث المؤسسي، ولتحقيق ذلك، لا بد من الارتكاز على المرتكزات الآتية:
• الاستقلالية التامة للعمل النقابي.
وذلك برفع يد الحكومة نهائياً ممثلة بوزارة الشؤون الاجتماعية عن التدخل في اتحاد النقابات ومجالس لجانها، واحترام قراراتها المستقلة الرامية لرفع الظلم وانتزاع حقوق العمال.
• إجراء انتخابات ديمقراطية شفافة.
في حال مطالبة العمال بإجراء انتخابات جديدة، يجب إتاحة المجال لإجراء انتخابات جديدة ونزيهة في كافة المستويات النقابية (العمومية، الفرعية، المجالس التنسيقية، واللجان المتفرعة).
• الرقابة المستقلة والتوثيق المحايد.
الحرص على أن تتم العملية الانتخابية تحت إشراف وتوثيق إعلامي رسمي ومستقل، وبحضور هيئات رقابية وحقوقية مستقلة، ليكون دور وزارة الشؤون الاجتماعية مقتصراً حصراً على تدوين وإثبات النتائج النهائية كما هي دون أي تحريف أو تدخل.
وفي الختام لابد لنا جميعاً من فهم حقيقة ثابتة، والتمسك بها وبقوة دون تفريط ، وهي بتمكين العمّال من اختيار ممثليهم بشفافية مطلقة، لكونها السبيل الوحيد لإعادة البوصلة إلى مسارها الصحيح، وحماية النسيج الحقوقي للطبقة العاملة من التآكل، ووضع حد لمعالجة الأزمات الاجتماعية بمنظور أمني أو سياسي ضيق.