كتب/ فؤاد داؤد
الراتب ليس منّة من أحد ، بل أن الراتب عقد .. عقد بين الدولة و المواطن. بين من يحمل الوطن على كتفيه ثمان ساعات كل يوم، و بين من وُجدت لتخدمه ، فصرف رواتب الموظفين في الوقت المحدد من نهاية كل شهر هو التأكيد الحقيقي على وجود الدولة .
ليس العلم ، و لا النشيد ، و لا البروتوكولات هي الدولة ، إن الدولة هي كيس الدقيق الذي يدخل البيت ، و هي اسطوانة الغاز ، و هي قسط المدرسة ، و هي جرعة الدواء ، و ما عدا ذلك فأي هيبة لدولة تجوّع أبناءها ؟
اسأل أي موظف : كيف لشعب أن يعترف بهيبة الدولة و يكن لها شيئاً من الاحترام في قلبه و هي تسعى لإفقاره و إجاعته و إهانة كرامته ؟ .. أن الهيبة لا تُبنى بالخطابات ، إنما الهيبة تُبنى حين يفتح الموظف محفظته آخر الشهر فيجد فيها ما يسد به رمق أطفاله .. الهيبة تُبنى حين لا يقف الأب أمام البقال ذليلاً يقول " سجّلها في الدفتر عادنا ما استلمنا الراتب و وجهه محمر خجلٱ " .
أن الدولة التي تؤخر الراتب تقول لموظفيها : أنتم لستم أولوية .. و الدولة التي لا تعتبر مواطنيها أولوية ... لا تستحق أن تُسمى دولة .
أجل ، إن الدولة التي تستمتع بإهانة أبناء شعبها ، و تتلذذ بتجويع أطفالهم و إذلالهم، لا يمكن أن يشعر بوجودها أحد ، و لا أن يكن لها ذرة من احترام في قلبه .. حيث أن التأخير المتعمد للرواتب ليس عجزاً إدارياً فقط ، بل هو كسر لظهر الأب ، هو دمعة أم ، هو مستقبل طالب يُسحب من المدرسة ، هو رسالة واضحة تقول و بكل فضاضة : " نريدكم ضعفاء ... جياع ... خانعين " .
لكن الشعوب لا تُبنى بالجوع ، إنما الشعوب تُبنى بالكرامة ، و الكرامة تبدأ براتب في وقته ، لأن الراتب = الأمن القومي ، حيث أنه حين يتأخر الراتب ، لا يتأخر الموظف فقط ، بل يتأخر الطبيب عن المستشفى ، و المعلم عن المدرسة ، و الجندي عن الثكنة ، و رجل الأمن عن الشارع ، فتأخير الراتب هو تفكيك ممنهج لمفاصل الدولة ، و هو الباب الذي تدخل منه الفوضى ، و الرشوة ، و اليأس ، و الهجرة.
و الخلاصة من ذلك و التي يجب أن تقتل و بكل شفافية : احترموا العقود تحترمكم الشعوب .
فيا أيها المسؤولون : لا تطلبوا من الناس أن يحبوا وطناً لا يحبهم ، لا تطلبوا منهم الولاء و هم يبحثون عن لقمة العيش ، لا تطلبوا منهم الصبر و هم يرون أطفالهم ينامون بلا عشاء.
و لتعلموا جيدٱ أن صرف الراتب في موعده ليس إنجازاً يُشكر عليه أحد ، بل هو واجب ، هو حق ، هو الحد الأدنى لوجود الدولة ، و إلا ، فلا تلوموا أحداً إذا لم يعد أحد يشعر بالدولة ، لأن الدولة نفسها هي من اختارت الغياب.
الراتب في موعده .. أو فليُعلن الجميع أننا بلا دولة .