ليست الضريبة رقماً في خانة ، و لا عبئاً يُلقى على كاهل التاجر و الموظف ، بل أن الضريبة هي نبض الدولة ، فإن ضعف النبض ، شُلّ الجسد ، و إن قوي، مشت الأمم .. فالوعي الضريبي هو أن تدرك أنك لا تدفع للدولة ، بل تدفع لنفسك غداً .. تدفع لتبني مدرسة يجلس فيها حفيدك ، و مستشفى يعالج فيه أبوك ، و طريقاً يسلكه رزقك .. إنه إدراك أن المال العام ليس مال " الحكومة " ، بل هو مالك أنت .. أمانة في عنق الجميع .
1 - فلماذا ضرورة الوعي الضريبي اليوم ؟ لأن الوعي الضريبي هو خط الدفاع الأول عن الوطن .. ففي زمن تتكالب فيه التحديات ، لا تبنى الأوطان بالشعارات ، بل تبنى بالميزانيات ، و تبنى بمواطن يفهم .
الالتزام الطوعي : من الخوف إلى الفخر
فالجاهل يدفع تحت التهديد ، أما الواعي فيدفع و هو مرفوع الرأس ، لأنه يعلم أنه يساهم في صناعة الحياة العامة .. يدفع برضا ، لا بإكراه ، لأن الضريبة عنده لم تعد " جزية " بل " استثمار " .
خنق التهرب : قطع يد العابثين بمستقبلنا .
فكل ريال يُهرب هو لبنة تُسرق من مدرسة ، و جرعة دواء تُسحب من مريض ، و رغيف خبز يُنتزع من فقير ، لأن التهرب ليس شطارة ، بل أن التهرب خيانة اجتماعية موقعة باسمك .
زيادة الإيرادات : من البقاء إلى الازدهار .
فلا مدارس بلا ميزانية ، و لا طرق بلا أسفلت ، و لا أمن بلا رواتب . . لأن الإيرادات الضريبية النظيفة هي العمود الفقري للدولة الحديثة ، و فبها ننتقل من دولة تطلب المعونات ، إلى دولة تصنع القرار.
2 - ثلاثية الوعي .. المعرفة و المسؤولية و الثقة : إذ أنه لا يمكن أن يكون هناك وعي أعرج ، فالوعي الحقيقي يقوم على ثلاثة أضلاع تتبلور في :
المعرفة القانونية : فهي سلاحك ضد الجهل و الخوف ، إذ أنه " لا يعذر أحد بجهله بالقانون " و معرفة حقوقك و واجباتك هي التي تحولك من فريسة للإشاعات إلى شريك يعرف أين يضع توقيعه .
الإحساس بالمسؤولية : لأنك أنت لست ضيفاً في هذا الوطن ، لأن الوطن ليس فندقاً نغادره متى شئنا ، و لكنك أنت صاحب البيت .. و عندما يخرب البيت ، لا نلوم البواب بل نلوم أنفسنا ، كون الضريبة هي إعلانك أنك تتحمل مسؤولية السقف الذي يأويك .
الثقة في الدولة : و هي العقد المقدس ، إذ أنه لا وعي بلا ثقة ، و لا ثقة بلا شفافية ، فالمواطن لن يدفع و هو يرى المال يضيع في دهاليز الفساد ، بل أن الثقة تُبنى عندما يرى الريال يتحول إلى إسفلت ، و إلى كتاب ، و إلى سرير أبيض .. و حينها فقط يتحول من " دافع ضرائب " إلى ". شريك في البناء " .
3 - كلمة أخيرة لابد منها .. أن الضريبة ليست خصماً ، بل أن الضريبة إضافة .. و لذا علينا جميعٱ أن نتذكر دائماً :
أن الأمم العظيمة لم تُبنَ بالمنح ، بل بُنيت بالتضحيات الصغيرة اليومية ، و الضريبة هي أكبر تضحية صغيرة نقدمها بكرامة .
أن التهرب الضريبي هو أن تحفر بيديك قبر مستقبل أولادك ، ثم تشتكي من الظلام .. و الوعي الضريبي هو أن تزرع بيديك شجرة الظل التي ستستظل بها الأجيال القادمة .
فلنقلها جميعاً و بصوت لا يخفت أبدٱ : " ضريبتي ليست ثمناً أدفعه ، بل أن ضريبتي هي الثمن الذي أدفعه لأبقى حراً، كريماً ، في وطن قائم على قدميه "
أن الوعي الضريبي ليس خياراً ، بل إنه هوية ، فإما أن نبني معاً ، أو ننهار فرادى .