إب ( الناقد برس ) مراد الموسمي
قبل أسبوع نشرت صورة لطابور من النساء يقفن بانتظام أمام مطبخ خيري في وسط محافظة إب ينتظرن وجبة الافطار كان المشهد قاسيًا على قلبي؛ آلمني وأغضبني، واعتبرت نشره تجاوزا لسلوكيات تربينا عليها، نحن أبناء هذه المحافظة التي عرفت بستر المحتاج قبل إعطائه وصون كرامته قبل إشهار العطاء. كتبت حينها محتجا، وانتقدت أهلي، وقلت إن ما يحدث لا يشبهنا.
لكن الحقيقة – التي تكشفت لي لاحقا – كانت مختلفة تماما إذ تبين أن الصورة سربت دون علم القائمين على المبادرة، ودون رضاهم وأن هذا العمل الخيري قائم منذ خمس سنوات، بصمت كامل وبعيد عن الانظار لا يعرف به سوى العاملين والمحتاجين أنفسهم ولم تنشر صورة واحدة طوال الفترة، ولم يذكر اسم ممول، ولم يرفع شعار، ولم تلتقط لقطة تستثمر في وجاهة اجتماعية
من مولوا هم تجار ومغتربون من أبناء المحافظة، ألزموا أنفسهم – وألزموا القائمين – بعدم الحديث عنهم أو ذكر أسمائهم أرادوا الأجر، لا الأضواء.
حين عرفت ذلك، أدركت أنني كنت قاسيا في حكمي، وأن الغضب – مهما كان مبررا – لا يغني عن التثبت ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد فخلال الأيام الثلاثة الماضية، بدأ اتحاد أبناء محافظة إب في الولايات المتحدة الأمريكية توزيع ما يقارب ثلاثة آلاف سلة غذائية، بدعم من مغتربي المحافظة في الولايات المتحدة، للأسر الأشد احتياجا في عموم المديريات وكان الشرط الواضح: لا تصوير للمحتاجين، ولا استعراض، ولا ضجيج إعلامي.
ما يقارب مئتي شخص يعملون في صمت؛ حمولات تتدفق إلى المديريات، وتنظيم هادئ، وتوزيع منضبط، دون منشورات يومية ولا استعراض كاميرات السلال لم تكن عشوائية أو متواضعة؛ بل أعدت بعناية، وضمت الأرز، والقمح، والسكر، والدقيق، والمكرونة، والتمر، والحليب، والمحلبية، والشعيرية، ومن أجود الأنواع وكان أحد من المغتربين طلب من من أهله أن يضعوا له قائمة باحتياجات رمضان كما لو كانت تعد لبيته، وعلى أساسها حددت مكونات السلة
هكذا يفكر من يعرف معنى الشهر العطاء ومعنى الحاجة، ومعنى الكرامة
هنا، تتبدل الصورة تماما
لسنا أمام مشهد إذلال علني كما خيل لي في البداية، بل أمام تجربة تحرص على الستر بقدر حرصها على العطاء ولسنا أمام سباق اجتماعي في استضافة المسؤولين أو التفاخر بالمناسبات، بل أمام نموذج يعيد تعريف الكرم في زمن الضجيج أن تعطي دون أن ترى، وأن تطعم دون أن تشهر، وأن تحفظ كرامة المحتاج كما تحفظ كرامتك.
هذه هي بلدي التي تشبهنا والتي يعرفها الجميع وهذا هو وجهها الحقيقي _الكرم فيها ليس موسميا، ولا استعراضيا، بل متجذر في أهلها. قد تربكنا صورة عابرة، وقد نقع في خطأ التقدير لحظة انفعال، لكن الوقائع حين تكتمل تعيد الأمور إلى نصابها.
أكتب اليوم لا لأتراجع عن موقفي من تصوير المحتاجين – فذلك مبدأ لن أتخلى عنه – بل لأقول إن العدل يقتضي إنصاف من عملوا بصمت. ما يحدث ليس انحدارا في القيم، بل تأكيد عليها فالعطاء حين يصان بالستر، يصبح أبلغ من ألف صورة، وأصدق من ألف خطاب.
هذه هي إب، وهؤلاء هم أبناؤها وحين يختار أهلها أن يكون الخير فعلا لا إعلان، فإنهم يثبتون أن الكرامة ما تزال في المقدمة، وأن السخاء الحقيقي هو ما يعطى بيد خفية، ويصل بقلب حاضر.