كتب /محمد بامطرف
في عالم تضيع فيه الحقوق وتتخبّط الشعوب بين مطرقة الاستبداد وسندان الوجع، يبرز العصيان المدني كواحد من أفتك أسلحة الاحتجاج السلمي وأعمقها أثراً. لكن، متى يكون هذا السلاح نافذاً كالرصاص، ومتى يتحول إلى طلقة في الهواء تصيب الصدور العارية وحدها ؟
إن نجاح الاحتجاج السلمي لا يقاس بصخبه، بل بمدى استجابة السلطة وإحساسها بالمسؤولية الوطنية والأخلاقية تجاه مواطنيها. وهنا تكمن المعادلة الصعبة: العصيان المدني أداة فاعلة ذات أثر عميق، لكنه شجرة لا تهرق ثمارها الطيبة إلا في مناخات محددة !
حكومة الرشادة.. العنوان الأول للنجاح يتألق العصيان المدني وينتج ثماره عندما يرتطم بجدار نظام يملك أدنى درجات المسؤولية والضمير
حكومة تحترم شعبها، وتتأثر لمعاناته، وتستشعر الضيم الواقع عليه. تتجسد الدعوة الحقيقية للعصيان حين يتعامل الشارع مع دولة مؤسسات حقيقية؛ حكومة رشيدة يمتلك فيها المسؤول شجاعة تقديم استقالته فور وقوع أي خلل، انتصاراً لمطالب الناس ورفعاً لمعاناتهم.
إنها الحكومة التي تجتنب اختلاق الأزمات، ولا تتخذ من الخدمات الأساسية سلاحاً لمعاقبة المواطنين، حكومة تعيش في قلب المجتمع وتلامس تفاصيل حياته، لا تلك التي تُدار من فنادق الخارج وتقتات على المساعدات، بينما يطحن الجوع والفقر أبناء الوطن!
عندما يفقد العصيان بوصلته.. جحيم يكتوي به البسطاء
"العصيان المدني ليس مجرد امتناع عن العمل، بل هو رسالة راقية تتطلب متلقيا يدرك قيمة الإنسان.. وبدون ذلك المتلقي، يستحيل الاحتجاج إلى عبء إضافي يضاعف معاناة المحرومين !
أما في غياب هذه المقومات، وحين تتحول الإدارة إلى سلطة متلذذة بأوجاع الناس ، تقطع المرتبات وتغيب أبسط مقومات الحياة من ماء وكهرباء وغاز.. هنا يفقد العصيان المدني جوهره التحفيزي الضاغط.
بل الأسوأ من ذلك؛ يعود النفع من حيث لا نحتسب على الفاسدين الذين لا يبالون بشلل الحياة العامة ولا بانهيار مؤسسات الدولة، بينما تقع تبعاته القاسية والموجعة على كاهل البسطاء والفقراء وحدهم!
هم أولئك الذين يدفعون الثمن باهظاً :
عمال الأجر اليومي، الباعة المتجولون على الأرصفة، وأصحاب المشاريع الصغيرة الذين يعتمدون على "قوت يومهم حين يعم الشلل، لا يتأثر أمراء الأزمات، بل يجوع أطفال الكادحين.
الخلاصة الثائرة :
إن العصيان المدني جراحة كبرى؛ إن أُجريت بيد خبير وفي بيئة تحتمل العلاج، شفت المريض وأعادت إليه الحياة. وإن أُجريت في جسد ميت بلا ضمير، لم تزد المريض إلا نزفاً، ولم تترك في ساحات المعركة سوى أنين الفقراء وشماتة الفاسدين !