تقرير / الناشط الحقوقي والإعلامي أسعد أبو الخطاب
في هذا العالم العجيب، كل شيء له عنوان… إلا بعض الشعوب!
هناك مؤتمرات للسلام، واجتماعات طارئة، وجلسات مغلقة، وبيانات تُكتب بعناية فائقة، حتى لا تزعج أحدًا. وهناك أيضًا لجان تتابع لجانًا، ومبعوثون دوليون يتنقلون بين العواصم، بينما الشعوب التي يفترض أن يكون السلام من أجلها ما زالت تبحث عن إجابة لسؤال بسيط جدًا:
أين مكاننا على خريطة العالم؟
الأمم المتحدة: السلام قادم… فقط انتظروا!
في أروقة الأمم المتحدة، تبدو كلمة السلام وكأنها موظف دولي دائم الحضور، لكنه لا يصل أبدًا إلى مكتبه.
كلما اشتعلت أزمة، خرج بيان يدعو إلى ضبط النفس، وكلما سقط ضحايا، صدر نداء للتهدئة، وكلما اقتربت الكارثة من أبواب جديدة، اجتمع المجتمع الدولي ليؤكد أن الحل السياسي هو الطريق الوحيد.
جميل جدًا!
لكن المشكلة أن الشعوب لا تعيش على البيانات، ولا تطعم أطفالها بعبارات القلق البالغ، ولا تبني مستقبلها بعبارة: "نحث جميع الأطراف على ضبط النفس".
- فلسطين.. وطن يعرفه العالم ولا يعرف كيف يحميه!
- فلسطين واحدة من أكثر المفارقات السياسية وضوحًا في هذا العالم.
- اسمها معروف، قضيتها حاضرة، وشعبها موجود، لكن الاعتراف الكامل بحقوقها وسيادتها ما زال يتحرك وفق حسابات السياسة وموازين القوى.
وكأن السؤال ليس: هل للشعب الفلسطيني حق في دولة؟
بل أصبح السؤال في بعض العواصم:
هل تسمح المصالح الدولية بذلك؟
وهنا تتحول العدالة من حق إلى مفاوضات، والسيادة من مبدأ إلى ورقة تفاوض، وحق الشعب إلى ملف يمكن وضعه على الرف ثم إخراجه عندما تسمح الظروف!
والجنوب؟
ملف آخر في غرفة الانتظار!
أما الجنوب، فقصته لا تقل غرابة.
شعب له تاريخ وهوية وذاكرة سياسية، ويطالب بتحديد مستقبله، لكنه ما زال أمام سؤال الاعتراف والتمثيل والمستقبل السياسي.
كلما تحدث الجنوبيون عن حقهم في تقرير مصيرهم، ظهرت قاموس السياسة الدولية بكلماته السحرية:
"العملية السياسية".
ثم:
"الحل الشامل".
ثم:
"وحدة اليمن وسلامة أراضيه".
وكأن المطلوب من المواطن الجنوبي أن يظل واقفًا في طابور سياسي لا يعرف أين يبدأ ولا متى ينتهي!
يا سلام على السلام!
المفارقة أن العالم يتحدث كثيرًا عن الاستقرار، لكنه أحيانًا يتعامل مع جذور الأزمات وكأنها تفصيل ثانوي.
يريدون سلامًا بلا حل للقضية الفلسطينية، واستقرارًا بلا معالجة للقضايا السياسية في الجنوب، وهدوءًا بلا اتفاق واضح على مستقبل الشعوب.
وهذا يشبه تمامًا أن تطلب من منزل مشتعل أن يكون هادئًا… ثم تغضب لأن صوت الحريق مرتفع!
البيانات كثيرة.. والعناوين مفقودة:
- المشكلة ليست في قلة البيانات.
- البيانات موجودة وبكثرة.
- المؤتمرات موجودة.
- القمم موجودة.
- المبعوثون موجودون.
- التصريحات موجودة.
- حتى عبارات "القلق البالغ" و"الدعوة إلى ضبط النفس" أصبحت محفوظة عن ظهر قلب.
لكن ما ينقص هو شيء بسيط جدًا:
- حلول حقيقية تضع الشعوب أمام مستقبل واضح.
- فلسطين لا تحتاج إلى بيان جديد يخبرها أن العالم "يتابع بقلق".
- الجنوب لا يحتاج إلى مؤتمر جديد ينتهي بصورة جماعية وعبارة "ناقشنا المستجدات".
الشعوب تريد أن تعرف: إلى أين؟
العالم لا يحتاج إلى مزيد من المواعظ:
إذا كان المجتمع الدولي جادًا في الحديث عن السلام، فعليه أن يتعامل مع حقوق الشعوب باعتبارها أساسًا للاستقرار، لا عقبة أمامه.
فالسلام الحقيقي لا يصنعه تأجيل القضايا، ولا دفنها تحت عناوين دبلوماسية براقة.
السلام يبدأ عندما يشعر الإنسان أن مستقبله السياسي والوطني والحقوقي ليس مجرد ملف مؤجل إلى أجل غير مسمى.
الخاتمة: نريد عنوانًا.. لا بيانًا!
ربما حان الوقت لأن تتوقف السياسة الدولية عن إنتاج البيانات، وتبدأ بإنتاج الحلول.
ففلسطين لا تبحث عن عنوان في دفتر الأمم المتحدة، والجنوب لا يريد أن يبقى مجرد قضية مؤجلة في أجندة المفاوضات.
كلاهما يريد أن يعرف العالم أن وراء الملفات شعوبًا، ووراء الخرائط بشرًا، ووراء الكلمات حقوقًا.
أما الأمم المتحدة، فنتمنى لها التوفيق في مهمتها النبيلة:
البحث عن السلام.
وفي انتظار أن تعثر عليه... ستواصل فلسطين البحث عن عنوان دولتها، وسيواصل الجنوب البحث عن عنوان مستقبله، بينما يواصل العالم البحث عن العبارة الدبلوماسية المناسبة!
يا لها من عدالة… تحتاج إلى مترجم!