كتب/ فؤاد داؤد
حين قال الشاعر الحكيم : " وَ اخْتَرْ قَرِينَكَ وَاصْطَفِيهِ تَفَاخُرًا *** إِنَّ القَرِينَ إِلَى المُقَارِنِ يُنْسَبُ " لم يكن ينظم بيتاً من الشعر للطرب ، بل كان يرسم دستور حياة و يضع قاعدة ذهبية تحدد مصير الإنسان قبل أن يخطو خطوته الأولى .. فالصديق ليس مجرد اسمٍ محفوظ في جوالك ، و لا مجرد ضحكة تشاركها في سهرة عابرة ، إنما الصديق هو أنت بنسخة أخرى ، هو مرآتك التي ترى فيها ملامح مستقبلك ، و هو الطريق الذي تسلكه دون أن تشعر ، و هو المصير الذي يُكتب لك و أنت تضحك غير مدرك أنك توقع على عقد عمرك بيدك .
" إِنَّ القَرِينَ إِلَى المُقَارِنِ يُنْسَبُ " هذه ليست مجاملة و لا كلام إنشاء ، بل أن هذه معادلة إلهية لا تخطئ و لا تظلم ، فإذا صاحبت الصالحين قيل عنك ابن ناس طيبين ، و إن صاحبت أهل الفساد قيل أكيد مثله و لو كنت أبعد الناس عن طبعهم .. فسمعتك ليست بيدك وحدها ، و لكن سمعتك يصنعها من تمشي معهم في الطريق ، فاختر شلتك كما تختار اسمك لأنك ستُنادى به يوم القيامة يا فلان بن فلان صاحب فلان .. و لهذا فالقرين هنا ليس مجرد صاحب ، بل أنه الظل الذي لا يفارقك ، فإن مشيت في النور كان نوراً و إن مشيت في الظلام كان سواداً يخنقك .
و لأجل ذلك فقد فصل النبي صلى الله عليه و سلم في هذه القضية بكلامٍ يوزن بالذهب حيث قال : " المرء على دين خليله ، فلينظر أحدكم من يُخالل " فلم يقل على خلق خليله فقط ، بل قال على دينه لأن الدين هو الأصل الذي إذا فسد فسدت بعده الصلاة ثم الأخلاق ثم الأحلام ثم العمر كله ، و لهذا فكم من شاب دخل جلسة " للتسلية " فخرج منها و قد سرق دينه دون أن يشعر .. و ضرب مثلاً لا يُنسى حيث قال : " مثل الجليس الصالح كحامل المسك، إما أن يحذيك و إما أن تبتاع منه و إما أن تجد منه ريحاً طيبة ، و مثل جليس السوء كنافخ الكير، إما أن يحرق ثيابك و إما أن تجد منه ريحاً خبيثة " ، و نتيجة لذلك عليك أن تتأمل العمق هنا ، فحتى لو نجوت بنفسك من جليس السوء فلن تخرج سليماً ، ستخرج و ثيابك تحمل رائحة الدخان و سمعتك تحمل شبهة ، و قلبك يحمل سواداً . بينما جليس الخير يرفعك ثلاث درجات مهمة في حياتك : فهو يعطيك علماً يرفعك ، أو يشتري منك أدباً يزينك ، أو على الأقل تخرج من مجلسه و قلبك مطمئن و لسانك يلهج بذكر الله .
و بهذا الصدد فأجدادنا رغم أميتهم قد فهموا هذه الحقيقة بفطرتهم فقالوا : " الصاحب ساحب " يسحبك للمسجد أو يسحبك للمقاهي ، " قل لي من تصاحب أقل لك من أنت " لأن الطيور على أشكالها تقع ، " احذر عدوك مرة و احذر صديق السوء ألف مرة " لأن العدو يهاجمك من الخارج و صديق السوء يفتح لك الباب من الداخل و يهدمك و أنت تظنه يحميك .. و القرآن سجل لنا صرخة أهل الندم يوم القيامة حيث قال جل و علا : " وَ يَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا _ يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا".. هذه صرخة رجلٍ واحد أهلكه صديق واحد ، فكيف بمن باع عمره كله لشلة ضياع ؟
و الصداقة عند العقلاء ثلاث مراتب: صديق منفعة إذا انقطعت مصلحتك انقطع ، و صديق لذة إذا ذهبت السهرة ذهب ، و صديق فضيلة يحبك لله و ينصحك لله و يبكي على ذنبك لله و هذا هو القرين الذي تصطفيه تفاخراً ، هذا الذي يشفع لك يوم القيامة و يقول يا رب كان يأمرني بالخير. فاسأل نفسك بصدق : من أي نوع أصدقاؤك الخمسة الأقرب إليك ؟
قبل أن ترد على اتصال الشلة اختبرهم بثلاثة أسئلة لا تكذب : لو دعوتك لصلاة الفجر في المسجد هل يفرح أم يتهرب ؟ إذا كلمته عن حلمك و مشروعك هل يشجعك أم يسخر و يقول عيش اللحظة ؟ لو أودعت عنده سرك هل يكون قبراً أم يكون إذاعة ؟ من نجح في الثلاثة فعض عليه بالنواجذ ، و من رسب فارمه من حياتك قبل أن يرميك في الهاوية .
فيا أيها الشاب اسمعها من أخ يخاف عليك ، و من أب اعتصرته الحياة أكثر منك ، إن الصديق السيء ليس خطأ في حياتك ، بل هو خطأ يدمر كل حياتك ، هو الثقب الصغير في سفينة عمرك في البداية لا تشعر به و في النهاية تغرق و أنت نائم .. و صديق الخير ليس إضافة لحياتك ، إنما هو الحياة كلها ، هو الذي إذا نسيت ذكرك و إذا ضللت هداك و إذا مت دعا لك .. فاختر قرينك تفاخراً لأنك ستحشر معه ، و قد قال الصادق المصدوق صلوات الله و سلامه عليه : " المرء مع من أحب " ، فهل تحب أن تُحشر مع من يبيعون أعمارهم في التفاهة و المخدرات و السهر ، أم تُحشر مع حفاظ القرآن و طلاب العلم و الرجال الصادقين ؟ إن القرار قرارك ، و المصير مصيرك ، و القبر قبرك وحدك. " الأخلاء يومئذٍ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين " فكن من المتقين ، و اصطفِ المتقين ، و تفاخر بالمتقين ، فبهم ترتفع و بهم تُذكر و بهم تنجو .
اللهم ارزق شبابنا بطانة الخير و أبعدهم عن بطانة السوء ، و اجعلنا صحبة صالحة يفخر بنا نبينا صلى الله عليه و سلم يوم القيامة .