كتب/ فؤاد داؤد
لحج لم تعد مجرد اسم على الخريطة ، بل صارت عنواناً مفتوحاً للخذلان .. فقد وصل الحال بها إلى أبشع و أسوأ ما يمكن أن تصل إليه أي محافظة ، و كأنها كتب عليها أن تكون في ذيل الاهتمام ، و أن تُترك وحيدة تصارع الانهيار في كل زاوية ، بينما يمر الزمن عليها كأنه لا يعنيها .
فالطرقات هنا لم تعد طرقات ، بل حفر و مطبات تختبر صبر السائق قبل أن تختبر متانة مركبته .. فلا طرقات سوية تصلح لسير آمن ، و لا جسور تحمي من سيول الشتاء ، و لا إنارة تمنح الليل بعضاً من الأمان .. الكهرباء غائبة كأنها ضيف لم يعد يزور المدينة ، و الماء شحيح حتى صار قطرة منه أغلى من وعد مسؤول .
نعم ، هذه هي الحقيقة المرة التي يجب أن يدركها الجميع ، فحين تنطفئ الأنوار ، لا ينطفئ الظلام وحده ، بل ينطفئ معه الأمل في غدٍ أفضل .
كما أن البنية التحتية في لحج لم تتوقف عند حدود التدهور ، بل تجاوزته إلى الاحتضار .. و من العبث أن نتحدث عن تنمية أو استقرار في محافظة لا تملك أبسط مقومات الحياة .
إنها أرض تُعامل كالهامش ، مع أنها في صميم الوطن ، و تُنسى كأنها ليست جزءاً من الجسد الواحد .
أما الرواتب فحدّث و لا حرج. تتأخر شهوراً طويلة ، و حين تأتي لا تفي إلا بجزء يسير من متطلبات الحياة الأساسية .. فالمواطن هنا يعيش في حالة ذهول دائم : كيف يطعم أطفاله ؟ كيف يداوي مريضه ؟ كيف يستر بيته ؟
فالراتب الذي كان يفترض أن يكون خط الأمان الأخير ، تحول إلى وعد مؤجل ، و إهانة متكررة تُذل الكرامة قبل أن تُسد الرمق .. إذ أنه حين يتأخر الراتب ، لا يتأخر المال فقط ، بل تتأخر الحياة كلها .
و الأوجع من ذلك أن لحج لم تمتد إليها يد العون طيلة الحقب السابقة .. أنينها يتكرر ، و استغاثتها لا تجد من يلتقطها ، حيث تعيش المحافظة على هامش الحسابات ، و كأنها عقوبة لا مكافأة ، و كأن أهلها لا يستحقون ما يستحقه غيرهم من أبسط حقوق المواطنة .
إنها تصرخ بصوت مبحوح ، لكن صوتها يضيع في زحام الوعود الفارغة و الخطابات الجوفاء .. و الأقسى من الجرح ، أن يُترك الجريح وحده ينزف دون أن يسأل عنه أحد .
فحين تئن مدينة دون أن تلقى مغيثاً ، فإن السؤال لا يعود عن المال و الخدمات فقط ، بل عن قيمة الإنسان في معادلة الدولة .. فالوطن الذي لا يشعر فيه الإنسان بالأمان و الكرامة ، يتحول إلى غربة داخل الوطن .
فياترى ، هل آن الأوان لإنصاف لحج ؟
هل آن الأوان أن يُنظر إليها بعين المسؤولية لا بعين الإهمال ؟ أن تُعامل كمحافظة لها تاريخها و مكانتها، لا كملف منسي على رف البيروقراطية ؟
هل سنظل نراها فقط في قوائم العجز ، و لا نراها يوماً في قوائم الإنجاز ؟
أم أن القدر كتب عليها أن تظل ترزح تحت وطأة اللامبالاة إلى أبد الآبدين ، و تظل قصتها مجرد فصل محذوف من كتاب الوطن ؟
إن استمرار هذا الإهمال ليس إهمالاً لمحافظة ، بل هو إعلان فشل أخلاقي و سياسي بحق الوطن كله .
أن لحج لا تحتاج إلى شعارات رنانة ، و لا إلى وعود موسمية ، بل تحتاج إلى قرار سياسي شجاع ، و إلى مشروع إنقاذ حقيقي يبدأ من البنية التحتية و ينتهي بكرامة الإنسان ..
فالتنمية لا تُقاس بناطحات السحاب ، بل تُقاس بقدرة المواطن على أن يشرب ماءً نظيفاً ، و يمشي في طريق آمن ، و يستلم راتبه في وقته .
فالوطن لا يكتمل إذا ظل جزء منه يئن ، و لا تستقيم الدولة إذا ظل مواطنها يشعر أنه منسي .
و إذا سقطت لحج من حساباتنا اليوم، فسنُسقط معها معنى الدولة غداً .
و إذا لم تُنصف لحج اليوم ، فلا تلوموا التاريخ غداً حين يسجل أننا تركنا محافظة كاملة تسقط أمام أعيننا ، و لم نمد لها يداً .
لحج تستحق الحياة .. فهل نمنحها إياها قبل فوات الأوان ؟