كتب / فؤاد داؤد
القانون سياج ، و الفوضى ذئب . و حين تُترك الأبواب مشرعة لكل من هبّ ودبّ ، يتحول التفتيش من أداة ضبط إلى أداة ابتزاز ، و من واجب دولة إلى باب فساد .. و من هنا ، جاءت الصرخة الإدارية الحازمة من مكتب الصناعة و التجارة بمحافظة لحج.
هذا حيث وجّه الأستاذ عبد الرب الجعفري مدير عام مكتب الصناعة و التجارة بمحافظة لحج ، نداءً واضحًا لا يقبل التأويل إلى جميع ملاك المنشآت المستوردة و المنتجة ، و إلى كافة فروع الشركات ، و إلى جميع أنواع التجارة في المحافظة .
فحوى النداء : "لا تقبلوا أي تفتيش أو نزول على محلاتكم دون مذكرة رسمية موقعة من مدير عام مكتب الصناعة و التجارة بالمحافظة" .
هذه ليست دعوة للتمرد، بل دعوة للاحتكام إلى القانون .. و ليست حماية للفاسد ، بل حماية للتاجر الشريف من سيف الفاسدين .
القرار لم يأتِ من فراغ .. ففي زمن اختلط فيه الحابل بالنابل ، صار كل من يحمل ختمًا مزورًا يدّعي أنه "لجنة"، و كل من يرتدي زيًا يزعم أنه "مكلف". نزولات عشوائية ، و تفتيشات انتقائية ، و ابتزاز مقنع بقناع "الرقابة".
و النتيجة ؟ تاجر يُبتز ، و سوق يُربك ، و اقتصاد يُجلد ، و مواطن يدفع الثمن في النهاية. فالفوضى لا تُصلح سوقًا ، بل تقتله .. و الرقابة بلا ضوابط ، هي الفساد بعينه .
و بهذا الصدد فتحذير مكتب الصناعة و التجارة يحمل في طياته رسائل ساخنة و عميقة من أبرزها :
1. لا سلطة فوق سلطة القانون : فمكتب الصناعة و التجارة هو الجهة الوحيدة المخولة قانونًا بتنظيم السوق و الرقابة عليه .. و أي يد تمتد للتفتيش دون إذنه ، هي يد عابثة يجب أن تُقطع .
2. إن حماية التاجر حماية للاقتصاد : التاجر ليس لصًا حتى يُعامل كلص، و لا متهمًا حتى يُداهم في كل حين. ممن أراد التفتيش ، فليأتِ من الباب، و بأمر مكتوب ، و بتوقيع معروف .. أما تسلق الجدران فهو شأن اللصوص لا شأن الدولة .
3. الفوضى لا تحارب الفساد، بل تصنعه : فحين تتعدد الجهات ، و تتضارب الصلاحيات ، و تُفتح الأبواب للنزولات الكيدية ، فأنت لا تحارب الغش ، بل تفتح له ألف باب للرشوة و المساومة.
4. كرامة السوق من كرامة الدولة : حيث أن الدولة التي لا تحمي أسواقها من العابثين ، لا تستحق أن تُسمى دولة. و التاجر الذي يُهان على بابه كل يوم ، سيغلق بابه و يرحل ، و معه ترحل الوظائف و الضرائب و الاستقرار.
و بناء على ذلك فالمنشور دعوة صريحة لكل تاجر في لحج : كن رجل قانون . لا تفتح محلك إلا لمن يحمل مذكرة رسمية موقعة و مختومة من المدير العام .. اسأل عن هويته ، و صوّر المذكرة ، و إن شككت فاتصل بالمكتب. . فحقك أن تعرف من يفتشك ، و لماذا ، و بأي قانون .
فالسكوت على النزولات العشوائية خيانة لنفسك و للسوق و للاقتصاد .. فمن سمح اليوم لمتطفل أن يفتشه ، فقد فتح الباب غدًا لعشرين مبتزًا .
التحذير واضح : " نحذر أي جهة تتدخل بالتجارة و الصناعة دون إذن ". هذه ليست مجاملة ، بل خط أحمر .. فالتداخل في الصلاحيات جريمة ، و القفز على القانون فوضى ، و ابتزاز التجار خيانة للوطن .
من لديه ملاحظة على السوق ، فليخاطب جهة الاختصاص .. و من لديه بلاغ ، فليقدمه لمكتب الصناعة .. أما أن ينصب كل شخص نفسه حاكمًا على التجار ، فهذا زمن ولى .
إن مكتب الصناعة و التجارة بمحافظة لحج اليوم لا يدافع عن التجار ، بل يدافع عن الدولة .. يدافع عن مبدأ " لا عقوبة بلا نص ، و لا تفتيش بلا إذن " .. يدافع عن اقتصاد لا ينهض إلا في ظل الاستقرار و الوضوح .
فالرسالة الأخيرة : السوق ليس ساحة مستباحة ، و التاجر ليس جدارًا قصيرًا .. و من أراد أن يفتش ، فليحترم القانون أولًا . لأن القانون حين يُهان على باب متجر ، فاعلم أن هيبة الدولة كلها قد أُهينت .
و قد أعذر من أنذر