كتب/ فؤاد داؤد
لم يعد الإصلاح المالي و الإداري ترفًا فكريًا أو شعارًا للاستهلاك الإعلامي ، بل بات ضرورة حتمية تفرضها المرحلة الراهنة ، و خيارًا وجوديًا لا مناص منه لإنقاذ جسد الدولة من سرطان الفساد و التسيب الوظيفي الذي ينخر في مؤسساتها بلا رحمة . فالأمم لا تسقط من الخارج، بل تُهزم من داخلها حين يستشري الفساد و يغيب الحساب .
إن ما تنفقه الدولة سنويًا لترميم ما يدمره الفساد يفوق ما تحتاجه لبناء عشرات المشاريع التنموية .. فالفساد المالي و الإداري ليس مجرد انحراف سلوكي ، بل هو حرب استنزاف داخلية تُفرغ الخزينة، و تُعطل التنمية ، و تقتل الأمل في نفوس الناس . حين يتحول المنصب إلى مغنم ، و الوظيفة إلى إقطاعية ، و المال العام إلى غنيمة ، فإننا نعلن موت الدولة سريريًا حتى و إن بقيت واقفة على قدمين .. إن يد الفاسد لا تسرق المال فقط ، بل تسرق مستقبل وطن ، و تغتال أحلام جيل بأكمله .
و إذا كان الفساد المالي لصًا يسرق المال ، فإن التسيب الوظيفي خنجر صامت يغتال الإنتاجية ، و يقتل روح المسؤولية ، و يُكرّس ثقافة اللامبالاة .. موظف لا يحضر، و مدير لا يحاسب ، و معاملة تُركن في الأدراج شهورًٱ ، و مواطن يُدفع للمجهول. هذه هي ملامح الانهيار الإداري الذي لا يقل خطرًا عن النهب المنظم .. فالدولة التي تفقد هيبتها في مكاتبها، تسقط هيبتها في شوارعها .. إن التسيب هو الوجه الآخر للفساد ، و هو البيئة الخصبة التي يترعرع فيها اللصوص .
فالإصلاح المالي و الإداري هو معركة سيادة و استقلال و استعادة هيبة ، حيث أن الإصلاح المالي و الإداري ليس إجراءات محاسبية جامدة ، بل هو معركة سيادة و استقلال .. هو استعادة الدولة لسلطانها على مؤسساتها ، و فرض القانون على الجميع بلا استثناء .. يبدأ بإعادة الهيبة للوظيفة العامة ، و ربط الأجر بالإنتاج ، و تفعيل مبدأ الثواب و العقاب بلا مجاملة .. فلا بقاء لفاسد تحت مظلة "الواسطة" ، و لا حصانة لمتسيب تحت لافتة "القرابة" .. إن الدولة التي لا تقوى على محاسبة موظفيها، لن تقوى على حماية حدودها .
إن المرحلة الراهنة لا تحتمل أنصاف الحلول و لا الجراحات التجميلية .. فإما إصلاح جذري يُطهر المؤسسات و يُعيد للدولة وجهها ، أو انحدار متسارع نحو الفوضى و الانهيار ، إذ أن لا تنمية بلا انضباط مالي ، و لا عدالة بلا مساءلة إدارية ، و لا دولة بلا رقابة صارمة .. كل ريال يُهدر هو مدرسة لم تُبنَ ، و كل ساعة عمل تُسرق هي مستشفى لم يُجهز ، و كل توقيع يُمنح لمستحق هو لبنة في جدار الوطن ، و كل فاسد يُترك هو معول هدم في أساسه .
إن الإصلاح الحقيقي يبدأ من القمة قبل القاعدة. حين تكون القيادة قدوة في النزاهة ، صارمة في المحاسبة ، جريئة في قطع أذرع الفساد مهما علت مناصبها .. فالشعب يراقب ، و التاريخ يُسجل ، و السكوت عن الفساد مشاركة فيه .. إن إرادة الإصلاح هي الاختبار الحقيقي لوطنية المسؤول ، فإما أن ينتصر للدولة أو يسقط في امتحان الأمانة .. فالمسؤول الذي لا يجرؤ على فتح ملفات الفساد ، شريك في الجريمة و إن لم يمد يده للمال .
و لهذا فعلى الجميع أن يعوا تمامٱ إن الشعارات لا تُسقط فاسدًا ، و البيانات لا تُصلح مؤسسة .. الفساد يُحارب بالقانون المُفعل ، و المحاسبة العلنية ، و المحاكمات التي تُعيد للمواطن ثقته بدولته .. إن يد العدالة إن لم تكن من حديد ، كسرها الفاسدون .. و لا كرامة لدولة يُهان فيها القانون على أعتاب المكاتب .
إن المعركة ضد الفساد و التسيب هي معركة بقاء .. و الانتصار فيها يعني استعادة وطن من براثن اللصوص و الكسالى ، و هذا هو زمن القرارات الكبيرة ، و المواقف الحاسمة ، و الجراحة العميقة التي لا تُجامل ورمًا .. فإما أن نُصلح الآن ، أو ندفع الثمن أجيالًا .. و الوطن يستحق أن نختار الإصلاح مهما كان الثمن، لأن البديل هو الضياع ، و لأن التاريخ لا يرحم المتخاذلين ، و الشعوب لا تغفر لمن باع حاضرها و مستقبلها .